103 - إن هذه رواية من الروايات التي رويت في هذه الرحلة ، والتقاء بحيرى الراهب . وليس فيما ذكره بحيرى ، ولا في أصل القصة غرابة ؛ لأن التبشير بالنبي صلى الله تعالى عليه وسلم ثابت عند أهل الكتاب ، وقد أشرنا إلى ذلك في مقدمة كتابنا ، وليس في القصة أمر يستحيل تصديقه ، أو يتعذر تصديقه ، بل إنه خبر يتفق مع ابتداء نشأة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، وإظلال الغمامة له عليه الصلاة والسلام ، ليس فيه غرابة أو ما يظن أنه غريب في زعم الذين يجحدون ، ومن طبيعتهم جحود ما ليس ماديا ولا محسوسا ، ولكن يرد عليهم جحودهم بأن شواهد الصدق في الخبر قائمة ، فخاتم النبوة كان أمرا ظاهرا في جسم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، راه الراؤن ووصفه الواصفون فإذا كانوا لا يؤمنون إلا بالمادى ، فهذا أمر مادي ظاهر ، وقد وجد فيه ، ولم يوجد في أحد من غيره ، فكيف يمترون ؟ وهناك شاهد اخر بالصدق ، وهو وجود هذه الأوصاف المعروفة في التوراة والإنجيل حتى بعد أن أصابها التحريف ، وإذا كانوا قد نسوا حظا مما ذكروا به ، وأفسدوا الباقي ، فالبشارات تلوح معلنة وجودها ، رغم أنف الجاحدين المستكبرين ، فلا مجال لا رتياب مرتاب .
بقي في كلام بحيرى أنه يخوف أبا طالب الكافل الكريم من اليهود ، وفي بعض الروايات أنه يخوفه من الرومان لأنه يعرضه للأذى ، والتخويف منهما معا جائز ، وذلك لأن الرومان كانت الملكانية في الطوائف المسيحية حريصة على معاداة العرب ، وكل مذهب ديني غير الملكانية ، ولذلك كانت العداوة شديدة اللدد بينهم وبين اليعقوبيين بمصر ، وكان بينهما ما بين النصارى واليهود ، بل كانوا أشد إيذاء ، وحينما قربت العقيدة بين طائفتين كانت العداوة أحد ، إذ كل حريص على أن يدمج الاخر فيه .
وأما اليهود فمع أنهم كانوا في البلاد العربية يستفتحون في يثرب على الذين كفروا بالنبي الذي ان أوانه ، كانوا يكرهون أن يكون من بنى إسماعيل ، لأن حسدهم يجعلهم يستكثرون أن يكون نبي من غير ذرية إسحاق عليه الصلاة والسلام .
وخاتم النبوة الذي كان في ظهر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم هو لحم ناتيء بين كتفي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في نسق ليس فيه تشويه للمنظر ، قيل إنه كتفاحة ، وقيل إنه كرقبة العنزة ، وإن كثرة التشبيهات ممن رأوه في جسم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ليست اختلافا في أصله ، ولكنه اختلاف في عبارة الذين رأوا ، والتشبيه من حيث حجمه ، ونظر الذي وصفه . والرواية التي ذكرناها ، هي أقصر الروايات عبارات .
وقد روى الترمذي رواية أخرى أطول ، وقد جاء فيها أن بحيرى قال عندما أخذ بيد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم :
خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 129
مساهمون: محمد ابو زهره
ص١٢٩