تخطي إلى المحتوى الرئيسي

خاتم النبيين ( ص ) — صفحة 122

مساهمون:

ص١٢٢
المطلب بعد أبيه ، ولأنه أقرب كل بنيه إليه ، لأنه ابن شقيقه ، إذ أمهما واحدة ، وهي فاطمة بنت عمرو بن عائذ من بنى مخزوم . وقد قام أبو طالب بحق الوصية ، فكان يرعاه حق الرعاية ، فكان يصاحبه في غدوه ورواحه ما أمكنت الصحبة . لأنه ابتدأ يتعود عادات الشباب ، ولا يغنى عنه في هذا الدور من حياته إلا الصحبة الموجهة ، فكان يصحبه لهذا ، ولمحبته الشديدة له ، فكان يختصه بمحبة لا يحب أولاده بمثلها ، فكان لا ينام إلا بجواره في منامه ، وقد لاحظ فيه يمنا لم يلاحظه من قبل ، وكان مثله ، كمثل حليمة وأولادهم ، إذ حل فيهم فشبعوا بعد جوع ، ودرت عليهم أخلاف ناقتهم بعد أن جفت . كان أبو طالب في بعض الأزمة المادية ، فكان عياله إذا أكلوا لم يشبعوا وإذا أكل معهم محمد الميمون شبعوا ، فكان أبو طالب إذا أراد أن يغذيهم قال لهم كونوا كما أنتم حتى يجيء ولدى ، وهو محمد عليه الصلاة والسلام ، فإذا جاء أكلوا معه ، فكان الطعام يفضل منهم ، وإذا لم يكن معهم لم يشبعوا فيقول أبو طالب : « إنك لبار » هذا ما قصه ابن إسحاق في سيرته « 1 » . وليس عندي ما يسوغ لنا أن ننقض ذلك الكلام ، فهي قدرة الله تعالى على كل شيء ، وإذا اختص الله بها محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم ، فهي إرهاصات الرسالة وقد جرى على يديه وفي أحواله خوارق عادات أخري ، أوضح وأظهر وأبين ، فالضوء الذي صاحب ولادته ، وارتجاس إيوان كسري ، وتهدم غرفاته ، وخمود نيران المجوس ، والبركة التي حلت على حليمة وذريتها بقدومه ، كلها أحوال خارقة للعادة هذا دونها في الإرهاص . ولكن جاء عن الحسن بن عرفة ما قد يوميء بالتعارض الظاهري . فإنه روى عن ابن عباس أنه قال : كان أبو طالب يقرب إلى الصبيان صفحتهم ، فيجلسون وينتهبون ، ويكف رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، فلا ينتهب معهم ، فلما رأى ذلك عمه عزل له طعامه على حدة . وهذا قد يوهم التعارض ، وبفحص الخبرين يتبين أنه لا تعارض لأن الأول يتبين منه أن الشبع وفضول الطعام يكونان إذا كان بينهم ، وليس معنى ذلك أن ينتهب كما ينتهبون ، إنما معناه أن يأكل وقد عزل له طعام خاص ، حتى لا يتسابق معهم في الالتهام ، إذ نفسه العفوف تأبى عليه أن يزاحم في مد الأيدي إلى الطعام ، فذلك من تأديب الله تعالى له ، وما منحه عن عفة وابتعاد عن الجشع في الطعام وغيره ، كما يبدو من صفحة حياته . وإنه يكفى أن يكون معهم في الطعام لتكون البركة ، ولعل البركة تزداد بهذا التخصيص الذي اختصه به أبو طالب فإن الله تعالى قابل ذلك التخصيص من عبده الكريم بفيض من فيضه العميم .
هامش
( 1 ) البداية والنهاية ج 2 ص 282 .