انطلاقا من هذا المنظور ، اكتسب النقدان الذهب والفضّة قيمة مضاعفة على هذا الصعيد بسبب قيمتهما الاستعمالية كنقد ، ولإمكانية ادّخارهما بحجم صغير ، وبالنتيجة صارا أبرز أدوات الكنز في الماضي .
تدلّ المشاهدات التأريخية على أنّ أصحاب الكنوز كانوا يبادرون في الماضي إلى دفن مدّخراتهم وكنوزهم في الأرض حفاظا عليها ، وما يُكشف لنا عنه في الوقت الحاضر هو جزء من تلك الكنوز المدفونة . ربّما لهذا السبب عرّف بعضهم الكنز بأنّه المال المدفون ، لكن تفحّص ما مرّت إليه الإشارة يدلّ على أنّ خصوصية الدفن لم تؤخذ في مفهوم الكنز .
الكنز في القرآن
موضوع " الكنز " في الآية الكريمة :
" وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ "
« 1 » هو مطلق المال المدّخر ، وقيد " الذهب والفضّة " هو قيد غالبي ، كمثل قوله :
" وَرَبائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ "
. « 2 » ومردّ ذلك أنّ أغلب ما كانت له قابلية الكنز والادّخار في الماضي هما الذهب والفضّة ، وهذا أمر تؤيّده أيضا حركة الاكتشافات في الآثار القديمة .
إنّ جملة :
" وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ "
الواقعة في ذيل الآية الشريفة ، وكذلك جملة :
" هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ "
، مضافا إليها الحكمة من وراء تحريم " الكنز " ، كلّها قرائن مؤيّدة لتعميم موضوع " الكنز " في القرآن لما يشمل المال المدّخر . على هذا الأساس ذهب أكثر المفسّرين « 3 » إلى أنّ قيد " الذهب والفضّة " في آية " الكنز " هو قيد غالبي .
هامش
( 1 ) التوبة : 34 .
( 2 ) النساء : 23 .
( 3 ) راجع : التفسير الكبير : ج 16 ص 41 ومجمع البيان : ج 5 ص 41 وتفسير المنار : ج 10 ص 395 والميزان في تفسير القرآن : ج 9 ص 247 .