تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حكم النبي الأعظم ( ص ) — صفحة 152

مساهمون:

ص١٥٢
الاقتصادية ، بحيث راح الإنتاج العائلي يتخطّى احتياجات الأسرة السنوية ، ومن ثمّ خرج الاقتصاد من صورته المعيشية البدائية واستبدل بالاقتصاد التبادلي . على أرضية هذا التحوّل والتكامل في المسار الاقتصادي برزت ظاهرة الكنز . فمع ظهور عنصر المبادلة صار بمقدور كلّ أسرة أن تنتج من السلع ما يزيد عن حاجتها وأن تبادر إلى تبادل البضاعة مع الآخرين ، وقد كان يحصل أحيانا بعد المبادلة ازدياد في مجموع إنتاج الأسرة ودخلها عن مقدار ما تستهلكه . لادّخار الفائض الاقتصادي الذي تحقّقه الأسرة بين ما تنتجه وما تستهلكه ، كان هناك طريقان لا ثالث لهما ؛ فإمّا أن يعاد الفائض إلى عجلة الإنتاج مجدّدا بصيغة ثروة ، وعندئذٍ فإنّ الازدياد الدائم في ثروة أصحاب الفائض الاقتصادي وإن كان يؤدّي إلى وجود الاختلاف الطبقي ، إلّا أنّه يفضي إلى تنشيط الفعّاليات الاقتصادية ، وازدهار حركة الإنتاج بشكل عامّ . أمّا الطريق الثاني فكان يتمثّل بتحويل الفائض إلى بضاعة بحجم أصغر لكن بقيمة اقتصادية أكبر ، يمكن الحفاظ عليها وادّخارها . إنّ المال الذي يدّخر بهذه الصيغة ويخرج عن مدار الحركة الاقتصادية ويكون بعيدا عن متناول الناس واستفادتهم ، هو الذي اكتسب عنوان " الكنز " . ومن ثمّ فقد وُضعت هذه المفردة للمال المتراكم الذي لا يأخذ موقعه في عجلة الإنتاج ، ويفضي إلى بروز الاختلاف الطبقي في المجتمع . الكنز من جهة كونه تراكما للمال وخزنا له هو كالاحتكار ، لكن مع فارق في المفهومين ؛ فالغرض من الخزن في الاحتكار هو المبادرة إلى البيع بعد غلاء السلعة ، ولذلك هناك أهمّية خاصّة للسلعة بالنسبة إلى المحتكر ، وخصوصية السلعة هي محطّ نظر المحتكر . أمّا في الكنز ، فلمّا كان هدف تراكم الثروة وخزنها هدفا ماليّا ، فسيتضاءل عنصر خصوصية السلعة ، ويتمّ التركيز أكثر على عنصر التمحّض المالي .