الخبرية أو يتوخى الدقة في روايتها 25 ، مثال ذلك أنه لا يفصّل الكلام على نظام الإدارة في دولة المماليك وأنه كثيرا ما ينقل إحصائياته لا من الوثائق الرسمية المعاصرة بل من مؤلفات قديمة طال عليها العهد 26 ؛ وعلى خلاف العمرى فإنه لا يقدم نماذج لصيغ المكاتبات الرسمية من ذلك الضرب الذي حفل به كتاب « التعريف » 27 .
وأمام هذا التحليل القاسى فإن الحكم على مؤلفنا قد يبدو سلبيا للغاية ، غير أن خليل الظاهري لحسن الحظ لا يفتقر إلى بعض - - الميزات فهو قد جهد في تقديم صورة متكاملة الجوانب للنظام الإدارى بمصر كما أن الباب الأول من كتابه الذي يعد أوسع فصوله جميعا يعرض لنا تحليلا جغرافيا عاما للحجاز وبعض فلسطين ومصر وسوريا ، وفي الباب الثاني ينتقل إلى الكلام على نظام السلطنة وما يتحلى به السلطان من الصفات ويصف الموكب الشريف والملبوس . . وفي الباب الثالث والأبواب التي تليه وهي أصغر بكثير من سابقتها من حيث الحجم يرد الكلام بالتوالي على الخليفة « أمير المؤمنين » وقاضى القضاة وأئمة الدين وعلى الوزارة وما يرتبط بها من مناصب ودواوين . وقد أفرد بعض الأبواب القصيرة للكلام على أولاد الملوك وعلى الأمراء ، كما يتعرض فيها للكلام على بعض المناصب مما لم يعالجه في الأبواب السابقة . وفي الباب السابع يصف بعض دور الحكومة على حين يفرد الثامن للكلام على ملحقات الدور السلطانية والتاسع للكلام عن صيانة الجسور والطرق وعن تقسيم الولايات . وأغلب الظن أن الأبواب الثلاثة الأخيرة للكتاب قد أضيفت بالتدريج وهي تسوق العرض وفقا لمنهج مغاير بعض الشيء ، فالباب العاشر أشبه بوصف لنظام الجيوش عند المماليك هذا بينما يعالج الحادي عشر الكلام على العربان والتركمان والأكراد خاصة من زاوية تزويدهم مصر بالمماليك . أما الباب الثاني عشر فيحمل طابعا يسوده الخلط والصدقة إذ يضم أساطير عن شداد وفرعون ، كما يضم قصائد للأمراء المعاصرين للمؤلف . ورغما من التلون الذي يغلب على مادة الكتاب وعدم تمسك المؤلف بخطته في الأبواب الأخيرة منه فإنه لا يمكن بأية حال إنكار أن المادة التي تحتويها الأبواب الأولى ضخمة وهامة ولو أنه يجب الاعتراف بأنّها تتراوح من حيث أهميتها . وعلى أية حال فقد استطاع خليل الظاهري بفضل منصبه الحكومي أن يفيد أحيانا من الوثاق الحكومية 28 ، ويلاحظ هارتمان هذا بصورة خاصة في القسم الذي أفرده للكلام على البريد وهو أقيم ما في الكتاب بأجمعه 29 ؛ ويكتسب أهمية خاصة تعداده لمنازل البريد ومحطاته لا لأنه يذكر أسماء مواضعها الرئيسية فحسب كما فعل معظم المؤلفين قبله بل لأنه يقدم لنا تفاصيل ذات أهمية كبرى ؛ ومما يؤسف له حقا أن متن الكتاب في هذا الموضع ليس في حال تبعث كثيرا على الرضى 30 . وإلى جانب المادة الإخبارية التي يوردها والتي كما رأينا لا تخلو من القيمة فإنه يجب الاعتراف بأن الكتاب لا يخلو من أهمية في حد ذاته لأنه ينتمى إلى عصر لم تصلنا منه مادة جغرافية وفيرة ، أضف إلى هذا أن المطبوع منها في صورة مرضية أقل من ذلك بكثير 31 . وهو معروف حتى الآن في الملخص الذي عمله المؤلف والذي أشرنا إليه في حينه ؛ وأغلب
تاريخ الأدب الجغرافي العربي — صفحة 474
مساهمون: اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي
ص٤٧٤