من أساتذته ابن خلدون ؛ وقد بدأ دراسته على ما يبدو بالتخصص في العلوم الشرعية وكان من غلاة الشافعية على عكس أحد أساتذته وهو ابن دقماق الحنفي ؛ وكما لاحظ أحد معاصريه وهو أبو المحاسن 51 فإن بغضه للحنفية قد انعكس في مؤلفاته . وقام المقريزي بتدريس الحديث في سن مبكرة بالقاهرة ثم تقلب في الوظائف فشغل منصب القضاء بها وولى الحسبة بعد ذلك . وانتقل إلى دمشق عام 811 ه - 1408 في مهام مشابهة جمع إليها التدريس وإدارة الوقف ؛ ورجع إلى القاهرة بعد عشرة أعوام ومنذ تلك اللحظة كرس حياته كلية للكتابة في التاريخ الذي شعر دائما بميل شديد نحوه كما سنرى من مقدمة كتابه . وقد أدى المقريزي فريضة الحج مع أسرته في عام 834 ه - 1430 واغتنم هذه الفرصة فأقام بعض الوقت بالحجاز وهناك استطاع أن يتعرف عن طريق الحجاج على بلاد العرب الجنوبية بل والحبشة أيضا ، مما تردد صداه بالتالي في مصنفاته التاريخية . ورجع من الحجاز في عام 839 ه - 1435 واستقر نهائيا بالقاهرة إلى وفاته بها في عام 845 ه - 1442 .
ويبدو أن التاريخ قد تملك على المقريزي فعلا شغاف قلبه ، وهو على نقيض غالبية العلماء العرب لم يترك بالتقريب مصنفا في ميدان آخر بخلاف التاريخ . ولكنه في مقابل هذا فإن عدد مصنفاته التاريخية كبير للغاية ، أضف إلى هذا أن قسما كبيرا منها قد حفظ لنا أحيانا بخط يد المؤلف نفسه 52 . ورغما من مرور قرن من الزمن فلا نستطيع إلا أن نوافق كاترمير
Quatremere
في حكمه الأساسي على المقريزي حينما قال : « إنه لمن دواعي - - الدهشة حقا أن نتصور مدى وأهمية إنتاج المقريزي فهو قد ألقى ضوءا ساطعا في أبحاثه الواسعة التي لا تعرف الكلل على كل ما يمس التاريخ السياسي والأدبي للشرق وبوجه خاص مصر » 53 .
وإذا ألقينا نظرة إلى ثبت مؤلفاته العديدة بان لنا هدفه واضحا تمام الوضوح ، فمركز الصدارة بالنسبة له يحتله تاريخ مصر الطبوغرافى ( الخطط ) والمحلى ولكنه في ذات الوقت لا يهمل جيرانها إلى حدود المغرب والحبشة وبلاد العرب الجنوبية ، كما يولى أهمية خاصة للمسائل التاريخية والحضارية المتصلة بالموازين والنقود 54 ؛ ولعل هذا الموضوع الأخير يعكس تأثير وظيفة المحتسب التي شغلها لبعض الوقت .
ولمصر كرس المقريزي سلسلة كبيرة من المصنفات تشمل جميع الأنماط التاريخية بالتقريب ، فقد كتب - - في تاريخ الفاطميين وفي تاريخ الأيوبيين والمماليك ( ساقه إلى عام 1440 ) ووضع معجما كبيرا في السير لم يتمه هذا خلاف عدد من الرسائل في موضوعات مختلفة .
أما الموضوعات الجغرافية فقد مسها بطبيعة الحال في مؤلفاته التاريخية ولكنه أفرد لها إلى جانب هذا مجهودا خاصا فنحن نعلم مثلا أنه قام بتعديل وتنقيح المسودة الأولى للمعجم الجغرافي للحميري « الروض المعطار » 55 الذي مر بنا الكلام عليه بيد أن هذا ليس هو السبب الذي يجعلنا نقف للكلام عليه في عرض عام للأدب الجغرافي ، بل إن السبب في ذلك هو مصنفه الرئيسي الذي يكاد يكون الأثر الأكبر في مجهود حياته العلمية أعنى كتابه المشهور « الخطط » الذي يرتبط بالتاريخ وبالجغرافيا التاريخية على حد السواء .