تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الأدب الجغرافي العربي — صفحة 472

مساهمون:

ص٤٧٢
والمصنف لا يتمتع بأية ميزات أدبية بل يقتصر على تعداد جاف المعالم المدينة الهامة مع الاكتفاء بتعليقات تختلف طولا وقصرا ، وهو يبدأ بالكلام على مدينة الفسطاط مفصلا القول على أحيائها وأسواقها وبركها ومساجدها ومعاهدها وأبنيتها وأديارها وكنائسها الخ . وابن دقماق يستشهد من وقت لآخر بالأشعار التي يرد فيها ذكر المواضع التي يعالج الكلام عليها ولو أنه لا يبالغ في ذلك كما هو الشأن مع المؤلفين الآخرين ؛ ومن الطبيعي ألا تتساوى من حيث الأهمية جميع الموضوعات التي يتكلم عنها فجزيرة الروضة مثلا تحتل أهمية خاصة لديه وذلك لارتباطها بذكريات أدبية معينة . وهو يطبق الطريقة التي لجأ إليها في وصف الفسطاط في كلامه على بقية حواضر مصر فيبدأ بالقريبة من القاهرة مثل اطفيح وأسيوط الخ ويعقبها بالبعيدة ؛ ثم يرجع إلى الكلام مرة أخرى على القاهرة قبل أن ينتقل إلى الإسكندرية ، ومن الملاحظ أن القسم الذي أفرده للكلام على هذه المدينة الثانية لا يبدو أنه قد أتمه إذ يقتصر في حقيقة الأمر على سرد للأساطير المتعلقة بها دون أن يتعرض لوصفها . والكتاب يوحى بصورة عامة أنه لم يتمم إذ كثيرا ما نلتقى في النسخة الموجودة بخط يد المؤلف ببياض في الأصل يمس الأرقام بشكل خاص ، ومن حقنا أن نفترض أنه لم يقدر للمؤلف أن ينفذ خطته بالتمام لذا فلم يتمكن إلا من تدوين جزئين 3 من العشرة التي كان ينوى كتابتها ؛ وقد وصل إلى نفس هذه النتيجة ناشر الكتاب العلامة فولرز
Vollers
عند فحصه لمسألة استعمال المقريزي لمصنف ابن دقماق في كتابه في « الخطط » . وكان المقريزي من تلامذة ابن دقماق 4 فلا عجب أن عرف مؤلفاته جيدا ، غير أن الغريب في الأمر هو أنه لا يشير في أي موضع إلى « كتاب الانتصار » بل ويصرح عند تعداده لمصادره أن آخر من كتب في الخطط هو ابن المتوج المعروف 5 . وبما أن المقريزي بدأ نشاط ، العلمي بدراسة العلوم الشرعية فقد دفع ذلك فولرز إلى الافتراض بأنه اشتغل بالتاريخ عقب وفاة ابن دقماق 6 وبذلك لم يتعرف على - - مصنفاته هذه ؛ ومن الممكن أنه قد أغفل ذكره عن عمد لأن المقريزي كان شافعيا متطوعا . ووجود الكتاب في مخطوطة وحيدة يدفع إلى الاعتقاد بأن نسخة المؤلف قد وقعت في وقف أحد مساجد القاهرة وظلت مجهولة من الجميع 7 ؛ وعلى أية حال فإن تاريخ تدوينه يقع بعد عام 793 ه 1391 8 . وكان ابن دقماق رجلا واسع الاطلاع إذا حكمنا من مصنفاته التاريخية ، وهو يستقى مادته الجغرافية من مؤلفين معروفين لنا فينقل عن الحوقلى ( ابن حوقل ) والمؤلفين الذين يعالجون الكلام بصورة خاصة على مصر كالكندى وابن عبد الحكم والقضاعي وابن زولاق كما ينقل أيضا عن ابن سعيد والإدريسى 9 . ويقرر فولرز أن ابن دقماق قد استعان بمصادر أفضل من تلك التي لجأ إليها المقريزي وأنه وقف منها موقفا أكثر جدية فلم تجتذبه الغرائب والعجائب كما حدث مع الأخير 10 . هذا وتتعارض المصادر حول تاريخ وفاته ولكن أقربها إلى الواقع هو عام 809 ه - 1407 11 . وعلى نقيض ابن دقماق كان إداريا أكثر منه عالما خليل بن شاهين الظاهري ( المتوفى في عام 872 ه -