تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الأدب الجغرافي العربي — صفحة 476

مساهمون:

ص٤٧٦
وتكمن الميزة الأساسية لهذا الأثر في بساطته وفي معلوماته المباشرة ، ويلوح أن ابن الجيعان قد دون الجزء الأكبر منه دون أن يعمل فيه بيد التنقيح لذا فقد كثرت فيه الألفاظ والعبارات المكررة مما يحمل على الاعتقاد بأنه قد كتبه في الأصل على شكل يوميات لم يلبث أن ضم بعضها إلى بعض دون إضافات أو تعديلات ذات بال . وعلى نقيض كتابه « التحفة » فقد كان هدفه هنا وضع أثر أدبى إن لم يكن في أسلوب رفيع على الدوام فهو قريب منه على الأقل ، لذا فإنه تقابلنا في مواضع عديدة منه جمل مسجوعة وأشعار متكلفة ليست بذات قيمة تذكر . ونظرا لأنه قد شغل في هذه الرحلة وصفا أشبه بوضع مؤرخ للبلاط فقد وجد نفسه بطبيعة الحال خاضعا لالتزامات معينة فكان من الضروري عليه مثلا أن يفسح المجال المدح ولى نعمته ولعل هذا هو السبب في اختتامه الكتاب بمقارنة بين فايتباى والظاهر بيبرس ( 658 ه 1277 ) بصدد ما قام به كل منهما بالشام ، أخرج منها الأخير بصفقة المغبون 44 وهو أمر لا يقره عليه أحد ، غير أن أسلوب الكتاب يجب ألا يقف حائلا دون الاعتراف بقيمته وبصحة معطياته ، فوصفه للطريق بين مصر والشام كان ذا فائدة كبرى للمستشرق هارتمان في بحثه الخاص الذي أفرده لهذا الموضوع 45 . وقتل ابن الجيعان عام 902 ه - 1497 في أحد شوارع القاهرة بيد مملوك مجهول وهو في سن الستين بحسب رواية ابن إياس 46 . وكتابه « المستظرف » لا يمثل بطبيعة الحال النموذج الوحيد لتدوين رحلة أمير كبير بقلم أحد رجال حاشيته إما بتكليف منه أو لنيل عطفه ؛ وقد استمر هذا الضرب من الرحلات مزدهرا لعدة قرون بل إننا نلتقى به في القرن العشرين في مصنف مشابه ولكنه يقوم على أساس مخالف كل المخالفة أعنى رحلة البتانونى التي رفعها إلى خديو مصر عباس حلمى . لقد شهد عصر المماليك كما أبصرنا انتعاش وازدهار نمط الموسوعات ، ولكنه إلى جانب هذا بلغ فيه المقريزي القمة بنمط آخر هو نمط « الخطط » . وسنرى فيما يلي أن المقريزي وإن لم يكن آخر المؤلفين في هذا الباب إلا أنه أعظمهم مكانة . والمقريزي بوجه عام شخصية ضخمة بين مؤرخي مصر الإسلامية ليس فقط لدقة روايته التي لا تقف دائما فوق مستوى النقد بل قبل كل شئ لنشاطه الجم الذي لا يعرف الكلل ولا تساع أفق دراساته واهتمامه الكبير بالجانب الاجتماعي والديموغرافى
( Demographic )
للتاريخ 47 . ويمكن إلى حد ما اعتباره أبا لتلك المدرسة التاريخية التي ازدهرت بمصر في ذلك العصر وقدمت لنا أسماء لامعة كمعاصريه العيني وابن حجر وتلميذه ثم منافسه أبى المحاسن 48 ، ومن ممثلى الأجيال التالية السخاوي الذي كان يضمر له بعض السوء ثم العلامة الكبير السيوطي ، وأخيرا المؤرخ ابن إياس الذي شهد الفتح العثماني 49 . وسنلتقى ببعضهم ممن عالجوا الكلام في موضوعات جغرافية في سياق هذا الفصل . والمقريزي 50 أو ابن المقريزي كما يدعى أحيانا هو تقى الدين أحمد بن علي ، ولد بالقاهرة في عام 766 ه - 1364 وأحس من نفسه دائما مواطنا مصريا غيورا كما سنبصر هذا من مقدمته لكتابه « الخطط » . وكان