ومن العسير القول إلى أية درجة يمكن أن تنسب إلى الشاه ناصر الدين شخصيا تلك المؤلفات الجغرافية المرتبطة عادة باسمه 166 . هذا ولو أن اهتمامه بالجغرافيا ، ولو في مفهومها البدائي . ليس موضعا للشك . ويبدو هذا قبل كل شئ في رحلاته العديدة التي قام بها في إيران نفسها حيث زار مازندران 167 وخوزستان وكربلاء وخراسان ، كما ينعكس أيضا في رحلاته الثلاثة إلى أوروبا ( 1873 ، 1878 168 ، 1889 ) 169 وهو شئ لم يكن ليفكر فيه أحد من حكام الشرق في العهود السابقة . وكل رحلة من هذه الرحلات بالتقريب لها وصفها الخاص بها ، وقد كان وصف الرحلة الأولى أول كتاب يخرج من المطبعة الأميرية الجديدة وذلك في عام 1291 ه - 1874 170 ؛ وجميعها طبع أكثر من مرة بالحجر بإيران وتحمل اسم الشاه كمؤلف كما أن عددا منها قد ترجم إلى اللغات الأوروبية البعض في ترجمات كاملة والبعض الآخر على شكل نصوص مختارة . ومن المعروف بوجه التحديد أن بعضها « حررته » أقلام شخصيات أخرى مثل رحلته إلى كربلاء التي ينسب تدوينها إلى محمد حسن خان - - أحد معاونى الشاه المقربين إليه والذي صحبه في أكثر من رحلة . وقد لعبت هذه الشخصية دورا ليس بالضئيل في تطور التأليف الجغرافي في العصر الحديث بإيران وسنقف للكلام عليه بعد لحظة وجيزة ، ومن الممكن القول بأنه لعب دورا مشابها في تحضير مسودات الأوصاف الأخرى لرحلات الشاه أو استعان في هذا بمعاونيه العديدين .
ومهما يكن من شئ فإن أوصاف رحلات الشاه ناصر الدين من الظواهر المهمة في الأدب الفارسي للقرن التاسع عشر ، وهي من وجهة النظر هذه قد استحقت تقدير الدوائر العلمية الأوروبية منذ عهد طويل . أما بالنسبة لنا فيهمنا قبل كل شئ رحلاته داخل إيران التي بدأت بها هذه السلسلة ؛ ويغلب على أسلوبها الرتابة والجفاف بعض الشئ ولكنها تقدم كمية هائلة من مختلف المعلومات في محيط الاثنوغرافيا والحياة الاجتماعية والآثار والجغرافيا الطبيعية مصحوبة بملاحظات المؤلف الشخصية . وأغلب عنايته موجه بالطبع إلى مجالي الجغرافيا والطبوغرافيا فهو يبين بالتفصيل الطرق والمسافات بين المنازل وأسماء القرى والمحال والجبال والأنهار ، وكثيرا ما ترد لديه معلومات عن مواضع كان بلوغها مستحيلا على أي شخص بخلاف الزائر العظيم 171 . ويتفق المتخصصون في الدراسات الإيرانية بالإجماع على أن أسلوب هذه الأوصاف يتمتع بميزات عديدة فهي مكتوبة بلغة منتقاة تتصف بالبساطة والوضوح وتطرح المحسنات البديعة التي كانت ما تزال غالبة في ذلك الوقت على لغة أدباء البلاط 172 ، كما أنها تخلو من آثار الصنعة فلا توجد بها التشبيهات والاستعارات بل يحس من خلالها ميل واضح إلى التعابير المتداولة وإلى الوضوح المطلق بحيث لا تفسح مجالا للغموض أو الإبهام 173 وجميع هذه الأوصاف مكتوبة باللغة المتداولة في الحياة اليومية 174 وبهذا فقد ساهمت بنصيب وافر في تبسيط النثر الفارسي في القرن التاسع عشر 175 .
وجميع ما ذكرناه في هذا الصدد يصدق بدوره على يوميات الشاه المتعلقة برحلاته إلى القارة الأوروبية .
وقد كانت هذه الرحلات شيئا جديدا بالنسبة للفرس في ما يتعلق بمضمونها ، فدورها في تعريفهم بأوروبا
تاريخ الأدب الجغرافي العربي — صفحة 547
مساهمون: اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي
ص٥٤٧