تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الأدب الجغرافي العربي — صفحة 545

مساهمون:

ص٥٤٥
إيران مارا في طريقه على أرمينيا وأقام بعض الوقت بطهران وهمدان وأصفهان وشيراز وكرمان . واختار في آخر الأمر مقرا له في محلة صغيرة على مقربة من أصفهان تسمى قومش وهناك وافاه أجله في في الثلاثينيات من القرن الماضي . وهو بالطبع لم يعثر على الحقيقة التي كان يجرى وراءها ، لذا فإن خاتمة قصته التي دونها لسيرة حياته تفيض بالتشاؤم التام ويطغى عليها شعور بالحسرة وخيبة الأمل 156 ؛ إزاء هذا فلم يتبق له كما يقول هو سوى رغبة واحدة هي تدوين جميع ما مر به خلال خمس وعشرين سنة وإعطاء فكرة عن العدد الهائل من الناس الذين حادثهم في المسائل التي أقلقت باله 157 . ويلوح أنه كان مخلصا في هذا الشعور ؛ وعلى أية حال فهو لم يتحرج عن التعبير بصراحة عن رأيه في الفرق الإسلامية المختلفة الذي حدث له وأن التقى بها 158 . فهو إذن درويش متشكك جعل هدفه قبل كل شئ مقابلة العلماء والمتصوفين الذين كان ينهى محادثته معهم عادة بحدل وخصومة شديدين . وكتابه بالطبع لا يمثل سردا متتابعا للرحلة ، كما أن ميله إلى الصنعة والتنميق قد خيم على روح القصة خاصة استعماله لعناوين متكلفة الكتاب مثل « سير » ( نزهة ) و « كلشن » ( بستان الورد ) و « بهار » ( الربيع ) . ويمكن أن نستبين من مادة الكتاب أنه ينقسم إلى أربعة فصول ، أحدها عن الأنبياء وأئمة الشيعة الاثني عشر ، والثاني عن العلماء والمتصوفين والشعراء ، والثالث عن الطوائف والتعاليم الدينية المختلفة ، والرابع عن المدن التي زارها مع توزيعها بحسب حروف المعجم إلى ثمان وعشرين مجموعة . أما من وجهة النظر الجغرافية فإن المادة الأخيرة التي تتضمن إلى جانب الوصف الجغرافي عرضا قصيرا لتاريخ كل مدينة فهي ذات أهمية كبرى خاصة وأنه استقى مادته في كثير من الأحايين من مصادر غير معروفة لنا . وتكتسب روايته أهمية خاصة عندما تعالج الكلام عن تلك المناطق التي تعد بحسب تعبير خانيكوف « أراض مجهولة »
Terrae Incognilae
مثل كوهستان وزابلستان من جهة وجوف الجزيرة العربية والسودان والحبشة من جهة أخرى 159 . والمؤلف يتمتع بدرجة عالية من حب الاستطلاع - - ويخلو من الميل إلى التعصب الديني على عكس غالبية الدراويش . وهو قد التقى في طريقه ببعض الرحالة الأوروبيين وسألهم عن بلادهم . ومؤلفنا يقصد بلفظ افرنجى ثلاث مجموعات هم الفرنسيون والنمساويون والإنجليز ؛ وليس من النادر أن نلتقى لديه بآراء سطحية بالية مثال ذلك أنه يرى الروس مهرة كبقية الفرنجة ( « صورتگرى » ) ولكنهم يفتقرون تماما إلى الروح ( « جان ندارند » ) 160 . وليس ثمة ما يدعونا إلى التوكيد بصورة خاصة أن كتابه يحفل إلى جانب المادة الجغرافية الخالصة بمعلومات ذات قيمة كبرى عن الأدباء والطوائف الدينية المختلفة بآسيا 161 ؛ وكتاب الشرونى وإن اعتبر وثيقة إنسانية طريفة إلا أنه ينتمى بأجمعه إلى العصور الوسطى للأدب الإسلامي . ويمكن اعتبار الفترة الطويلة التي رقى فيها عرش إيران لمدة تقرب من نصف قرن الشاه ناصر الدين ( 1848 - 1896 ) 162 بمثابة فاتحة عهد جديد انتعش فيه التأليف الجغرافي بصورة منقطعة النظير ؛ حقا ان الأنماط القديمة كالرحلة والمعجم والوصف الإقليمى
( regional )
لم يقل الاهتمام
تاريخ الأدب الجغرافي العربي — صفحة 545 | اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي / صلاح الدين عثمان هاشم / ابغور بابايف