بها ولكن أسلوب الكتابة قبل كل شئ طرأ عليه ولو بالتدريج تغير جوهري فقد اطرح النثر المتكلف المشحون بالمحسنات البديعية الذي غلب على القرون السابقة وحلت محله لغة مبسطة ذات طابع عملي سادت بدورها على المجالات الأدبية والعلمية الأخرى وعلى المؤلفات التي قصد بها دوائر أوسع من القراء .
وواحد من أوائل هذه المصنفات التي بشرت بميلاد عهد جديد تدين به إلى قلم رجل من كبار رجالات هذا العصر وهو المؤرخ الأديب الشاعر رضا قلى خان ( 1800 . . 1871 ) أحد كبار معاونى الشاه ناصر الدين ومن المقربين له ، وأول مدير لأول معهد عال بإيران « دار الفنون » 163 . وقد بعث به الشاه في عام 1851 بسفارة إلى خيوه لتسوية بعض الخلافات الناشبة بين إيران وخانات خيوه فخلف لنا وصفا لرحلته على هيئة يوميات تحفل بالكثير من الاستطرادات . وقد نشر الأصل والترجمة الفرنسية المستشرق شيفير
Schefer
وبهذا دخل الكتاب منذ السبعينات من القرن الماضي في مجال تدريس اللغة الفارسية بالقارة الأوروبية .
ولا تقتصر مادة الكتاب على خيوه وحدها لأن رضا قلى خان يقدم إلى جانب هذا وصفا عاما لطبرستان ومازندران ، كما يصف في القسم الأخير من كتابه بخارى وفرغانه وتركستان الصينية وهرات ومرو .
ولكن خيوه تحتل بالطبع مركز الصدارة لديه فهو يتكلم عن المدينة والمقاطعة على السواء بمحالها والشخصيات الكبرى التي أقامت بها ، كما يولى عناية خاصة لتاريخ خانات خيوه بالذات ، ولكنه ليس أقل اهتماما بعادات أهلها المعاصرين بل وبكل ما هو جدير بالاهتمام فيها ؛ وله في هذا الصدد محادثات طويلة - - مع الخان في مسائل مختلفة تمس التاريخ الإسلامي . وفي الخاتمة يدون المؤلف بعض الحوادث التي تمس تاريخ العلاقات بين خيوه وإيران وجرت بعد حدوث الرحلة .
والكتاب إلى جانب أهميته بالنسبة لسيرة حياة مؤلفه يعتبر وثيقة ذات أهمية كبرى بالنسبة لتاريخ خانات خيوه استقى منه المؤرخون المتأخرون وبالذات تلميذ رضا قلى خان المدعو محمد حسن خان الذي سيمر بنا الكلام عليه بعد لحظة وجيزة . وفضلا عن هذا فهو لا يقل قيمة فيما يتعلق بمعطياته التاريخية والجغرافية والأثرية ، كما أنه يساعد كثيرا على تفهم أخلاق وعادات تلك الفترة التاريخية بأجمعها ولا يقتصر على ما لاحظه المؤلف أثناء الرحلة فحسب ، وفيه يرسم المؤلف لوحات واضحة للحياة المحلية بل ويعطى أوصافا جميلة لمناظر الطبيعة 164 ؛ ويتخلل القصة جميعها أمانة شديدة في السرد وميل إلى عدم التحيز عند إصدار حكمه ، أضف إلى هذا قوة ملاحظته النافذة . أما أسلوبه فبسيط وطبيعي ولكنه يتصف بالرشاقة ولا يخلو أحيانا من اتجاه واضح نحو القديم ، ويمكن أن نتبين إعجابه بهذا القديم في العدد الهائل من الاقتباسات الشعرية التي تنتثر في كتابه والتي استقى معظمها من آثار سعدى أو من شعره هو 165 .
أما من حيث المنهج فإن الكتاب يمثل أنموذجا جيدا لطراز محبب إلى الجمهور هدفه المزج بين الجغرافيا الإقليمية التي تستند على قاعدة تاريخية وبين وصف الرحلة الذي تتخلله ترجمة شخصية لحياة للمؤلف .