العالم المدعو أمريكا ، ولكن متى تم هذا وكم مضى عليه من القرون فإن محمد صادق ليس بمقدوره أن يشبع رغبتنا في هذا الصدد ولو أنه يعلم أن الأوروبيين أبحروا مرارا إلى تلك الجهات وأن خبر ذلك موجود لدى الأتراك العثمانيين . وعن هؤلاء الأخيرين بالطبع أخذ المؤلف هذا الخبر ؛ وسنرى فيما يلي من الكتاب أن الجغرافيا لدى الأتراك العثمانيين قد تفوقت بكثير على الجغرافيا عند الفرس في القرنين السادس عشر والسابع عشر ، ليس ذلك فحسب بل لقد تفوقوا في نواح معينة على الجغرافيين العرب أنفسهم . هذا وقد ظلت الجغرافيا الفارسية حتى بعد عهد محمد صادق مقيدة إلى النظريات القديمة بحيث لم تسطع المعلومات الجديدة التي وجدت طريقها عرضا إليها أن تخرجها من إطارها البالي . غير أن هذا لم يمنع من ظهور مؤلفات كبيرة في خلال القرن السابع عشر نفسه ، ولو أن ذلك تم خارج حدود إيران في مناطق أخرى انتعشت فيها الفارسية أيضا . ولنقدم لهذا مؤلفا عاش ببخارى هو محمد بن أمير ولى الذي ألف كتابا في التاريخ العام في ستة أجزاء بعنوان « بحر الأسرار في ( معرفة ) مناقب الأخيار » . وقد كلفه بذلك أمير بخارى من أسرة الجنيديين وهو نادر محمد ( 1051 ه - 1055 ه - 1642 - 1645 ) ، وبدأ تأليفه في عام 1044 ه - 1634 . والجزء الأول منه ينقسم إلى أربعة « أركان » ويعالج باسهاب مسائل الكوزموغرافيا وذلك بحسب الطريقة التقليدية المعروفة لنا جيدا ، وأهم مصادره رشيد الدين وحافظ آبرو 149 . أما أهميته كمصدر تاريخي فقد انعكست بوضوح كاف في أبحاث بارتولد وزكى وليدى .
وقد تم اطراح المذهب القديم السائد في الأدب الجغرافي الفارسي شيئا فشيئا خلال القرن التاسع عشر فقط ؛ وبعض ظواهره تمثل طرافة معينة لدى مقارنتها بما سنقوله عن الأدب العربي في نفس ذلك العصر « * »
ولكن حتى في خلال تلك الفترة يمكن أن نلتقى أحيانا بعدد من الآثار التي تحتل أهمية بالنسبة للأدب الجغرافي لا من وجهة نظر الوقائع التي توردها فحسب بل أحيانا لمحاولتها الأصيلة في الجمع بين الأنماط المختلفة . وبما أن القول بالقول يذكر فمن الملاحظ أن عددا كبيرا من أوصاف الرحلات إلى الخارج قد ظهر بالفارسية خلال القرنين الثاني عشر والثالث عشر الهجري ( أي الثامن عشر والتاسع عشر الميلادي ) ؛ وكان اتجاه معظم هذه الرحلات كما كان الحال قديما إلى الهند ، غير أن عددا منها ليس بالضئيل اتجه إلى أوروبا بأغراض دبلوماسية أو تجارية ، وبعضها مس روسيا سواء بطريق مباشر أو غير مباشر 150 - - ومما يؤسف له أن جميعها معروف إلى أيامنا هذه في مخطوطات متفرقة لم تمسها يد البحث إطلاقا بالرغم من أن جميع الدلائل تشير إلى أن إخضاعها لدراسة خاصة سيعود بفوائد جمة سواء بالنسبة لدراسة الجغرافيا التاريخية للبلدان التي زارها هؤلاء المؤلفون أو بالنسبة لتحليل العصر الذي عاشوا فيه .
وتشهد بداية القرن التاسع عشر نفسه ( 1215 ه . . 1216 ه . . 1800 . . 1810 ) ظهور أثر
هامش
( * ) مما يؤسف له حقا أن الأجل لم يفسح للمستعرب الكبير ليتم مصنفه بعرض تاريخ تطور الأدب الجغرافي العربي الحديث والمعاصر ، فكتابه يقف عند الفصل الرابع والعشرين الذي يعالج الكلام على القرن الثامن عشر . ( المترجم )