كما لا يزال المذهب القديم في توزيع البلاد الذي رسخ وثبتت جذوره لدى ممثلى الجغرافيا الكلاسيكية والرحالين منذ القرن العاشر محتفظا بكامل قوته . وبالطبع فأحمد أمين رازي لم يورد أية سير لشخصيات ترتبط بهذه البلاد الأسطورية ؛ كما أن قائمة البلاد في الأقاليم الأخرى تحمل طابعا أكثر واقعية فالإقليم الثاني مثلا يرد فيه ذكر البلاد الآتية مع تقسيمها أحيانا إلى أجزاء أصغر : مكة والمدينة واليمامة وهرمز والدكن ( بنواحيها السبع ) وأحمد أباد وكنبال وسورات وسومنات وناكور والبنغال ( مع عدد من النواحي ) وأوريسا « * » . وهكذا تشغل الهند مكانة رئيسية بحيث تشاطر إيران في ذلك في بقية الأقاليم - - .
وإلقاء نظرة على القائمة الكاملة للبلدان 128 خير دليل على ما تمتعت به النظرية القديمة للجغرافيا التقليدية من تماسك ومقاومة في جميع تفاصيلها إلى نهاية القرن السادس عشر ، وذلك رغما من الاتساع غير المعهود الذي طرأ آنذاك على الأفق الجغرافي من وجهة النظر العملية .
هذا وترد السير داخل الأقاليم المختلفة وفقا للتتابع الزمنى ، فتمر أمام ناظرينا أسماء من ولدوا في كل منطقة من الشعراء والعلماء والمشايخ والأمراء الذين تولوا الحكم في نقاطها المختلفة ؛ ويولى المؤلف اهتماما خاصا لكبار الصوفية ويحتل مركز الأهمية في الكتاب بالطبع ممثلو الثقافة الفارسية ، وبما أن الكتاب تغلب عليه المادة الأدبية فإننا نجد أنفسنا بحسب ألفاظ باربييه دى مينار
Barbier du Meynard
129 أمام « ضرب من الجغرافيا الأدبية يخلو من أية قيمة علمية ولكنه يحفل بتفاصيل هامة عن كبار الكتاب الفرس » . وفي الحقيقة فإن لكتاب أحمد أمين رازي أهمية غير عادية بالنسبة لتاريخ الأدب الفارسي خاصة الشعر 130 ؛ غير أن المؤلف لا يكشف بصدد الموضوعات الأخرى عن أية معرفة كبيرة ويسوق في معظم الحالات قصصا عادية للغاية استقاها من مصادر متداولة 131 . ورغما من هذا فإنه يمكن العثور لديه حتى فيما يخص موضوعات جغرافية صرفة على تفاصيل غير متوقعة . ويميل أحمد زكى وليدى إلى الاعتقاد بأن المؤلف كانت في متناول يده جغرافيا رشيد الدين التي لم يعثر عليها حتى الآن « * * » 132 .
غير أنه يجب الاستدراك على هذا بقولنا إن إشارة أحمد أمين رازي إلى كتاب يرتفع إلى العصر المغولي بعنوان « صور الأقاليم » وهي التي استند عليها أحمد زكى وليدى في استنتاجه هذا ، لا يوجد ما يجعلها تقتصر بالضرورة على مؤلف رشيد الدين بالذات . ومهما يكن من شئ فإن مصنف أحمد أمين رازي ذو أهمية كبرى بالنسبة لموضوع دراستنا لأنه يقف دليلا على الحيوية الفائقة التي تمتعت بها نظرية قديمة هي نظرية تقسيم الأرض إلى أقاليم سبعة بما يتبعها من تقسيمات داخلية . هذا بالرغم من أن وقائع الأحوال أخذت تتعارض مع مضمون هذه النظرية . وللبرهنة على هذا يجب ألا يعزب عن بالنا أن كتاب « هفت إقليم » قد تم تدوينه بعد مائة عام من اكتشاف أمريكا .
بل إنه بعد قرن من هذا عندما وجدت المادة الجديدة طريقها عرضا إلى الجغرافيين الفرس ، فإنها
هامش
( * ) في النص المطبوع يرد كنايت وسورت بدلا من كنبال وسورات ، كما يرد اديسه بدلا من أوريا ( المترجم )
( * * ) من الأفضل مراجعة ملاحظتنا بصدد كلام المؤلف على مصنف رشيد الدين الجغرافي . ( المترجم )