تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الأدب الجغرافي العربي — صفحة 535

مساهمون:

ص٥٣٥
من مقدمة كتابه إلى أن هدفه الرئيسي هو الإعلام ؛ ويكتسب هذا الموضع من المقدمة أهمية بالنسبة لنا لسبب آخر ، ففيه يقول : « أما الدافع الآخر ( الذي حدابى لوضع الكتاب ) فهو أن المرحوم السلطان ألوغ بيك كان قد بعث إلى خطاى العالم مولانا على قوشجى وأرسل معه أسدا ( هدية ) وقال لهم دونوا كل ما ترونه وتعرفونه من غرائب أحوال تلك البلاد لأن ناقل الكفر ليس بكافر . وهذا العبد الفقير يذكر ما رآه رأى العين وجميعه في الحقيقة من الغرائب » 84 . وتشير جميع الاحتمالات إلى أن هذه السطور بعينها هي التي أوحت بالزعم القائل بأن رحلة على أكبر كانت من وحى على قوشجى ، - - غير أن الأمر الآن وبعد توضيح التواريخ يجعلنا نجزم بأن هذه الفكرة مستحيلة تماما . وشيفير يميل إلى الاعتقاد بأن رحلة على قوشجى إلى الصين قد وقعت فعلا وأنه ترك وصفا لها عرفه على أكبر وأفاد منه في تدوين كتابه 85 ، وهو رأى غير مقبول لأنه من المستبعد ألا يوجد خير عنها في مصادر أخرى . أما الإشارة إلى ألوغ بيك فإنها تدل على أية حال على أن لعلى أكبر علاقة ما بآسيا الوسطى ولعل شيفير لم يتنكب الصواب في هذه المرة حينما افترض أنه كان في الأصل تاجرا من آسيا الوسطى استقر فيما بعد بالقسطنطينية 86 ؛ ومما يؤكد وجاهة افتراضه هذا أن لغة المؤلف الفارسية ليس فيها ما يجتذب النظر ولعلها تعكس اللغات التركية لآسيا الوسطى التي اعتاد عليها المؤلف 87 . أما أسلوبه فليس بالرفيع 88 وهو يحمل طابعا عمليا رغم أن المقدمة تغلب عليها الاستعمالات البلاغية المعروفة لنا ورغم أننا نلتقى في الكتاب باستشهادات شعرية ليست من النوع الجيد 89 ، هذا بالإضافة إلى أن المؤلف يختتم كتابه بمدح مسجوع في حق السلطان سليمان القانوني 90 . أما القول بعد التعرف على الأصل الفارسي بأن وصف على أكبر ليس سوى نقول من المصادر الأخرى للقرنين الثالث عشر والرابع عشر ولا يعتمد على ملاحظة واقعية ، كما افترض ولو ببعض الحذر فليشر 91 وتبعه في ذلك تسنكر 92 ، فهو قول مردود في الوقت الحاضر لأنه يتعارض مع الاستقراءات الباطنية والمقارنات التي أجريت مع مصادر أخرى . والمؤلف يروى أساسا ما أبصره بعينه أو علمه من أهل البلاد ، وقد استغرقت رحلته داخل الصين أكثر من ثلاثة أشهر 93 . ووصفه لمقابلته مع الإمبراطور يحمل جميع علامات الصحة شأنه في هذا شأن وصفه لسجون الصين التي سنحت له فرصة التعرف عليها في ظروف موئلة فقد أمضى ستة عشرين يوما في الحبس مع بقية رفاقه في الرحلة وعددهم إحدى عشر لأن واحدا منهم قتل في مشاجرة رجلا من أهل التبت 94 . وكمسلم فلم يكن من الممكن ألا يثير دهشته مشاركة النساء في الأعياد 95 وفي الحياة الاجتماعية بل وفي الجهاز الحكومي حيث شغلن وظيفة « المراجعات » للشؤون المتعلقة بالمقاطعات الاثنتى عشرة للدولة في الإدارة المركزية . وقد دفعه أحيانا شوقه إلى معرفة وضع المرأة في المجتمع الصيني إلى حد بعيد بحيث يشعرنا - - في الفصل الحادي عشر الذي أفرده للكلام على المطاعم وبيوت اللهو ان مادته إنما تعتمد على تجربة شخصية .