تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الأدب الجغرافي العربي — صفحة 529

مساهمون:

ص٥٢٩
وأقامت بعاصمة الصين خمسة أشهر ثم أخذت طريق العودة في مايو عام 824 ه - 14121 ، وبعد عام من هذا وذلك في يوليو سنة 825 ه - 1422 بلغت سواحل نهر سرداريا ( سيحون ) ووصلت إلى هرات في اليوم الثاني من سبتمبر 36 من نفس العام . والأمد الطويل الذي استغرقته الرحلة والطريق الطويل الذي قطعته يقف دليلا على أن غياث الدين قد وجد فرصة ذهبية لتدوين ملاحظاته ، وهو بخلاف ملاحظته للغرائب والعجائب يورد لنا كثيرا من الأشياء القيمة عن الصين وسكانها ويسوق تفاصيل شيقة عن أخلاقهم وعاداتهم ويصف لنا أيضا نظام ومراسيم البلاط الإمبراطورى 37 . ولا يخلو من أهمية بالنسبة لنا وصفه للمكانة الرفيعة التي نالها في عهد حكم بغديخان القاضي حاجى يوسف أحد كبار العسكريين في حكومة الصين ورئيس المجلس الاستشارى بها 38 ، وليس بأقل أهمية من ذلك ما يذكره عن وضع المسلمين الصينيين الذين كان عددهم كبيرا في ذلك الوقت . هذا وقد أصبحت قصة غياث الدين معروفة للدوائر العلمية الأوروبية بفضل الرواية التي نقلها عبد الرزاق عن حافظ آبرو . ويرتبط اسم ذلك المؤرخ ارتباطا وثيقا بهذه القصة ولكنه يستحق أيضا الذكر في كتابنا هذا لما أورده من معلومات جغرافية في مصنفه التاريخي ؛ واسمه الكامل هو كمال الدين عبد الرزّاق بن إسحاق السمرقندي 39 . وقد ساق التشابه في الأسماء إلى الخلط بينه وبين الفيلسوف والفقيه المشهور كمال الدين عبد الرزاق القاشاني الذي عاش قبل قرن ونصف منه ( توفى عام 730 ه - 1330 ) 40 ووضع رسالة في الجبر والاختيار نشرها - - المستشرق غويار
Guyard
. أما عبد الرزاق الذي نعنيه فإنه ولد بهرات ( في سنة 816 ه - 1413 ) وتوفى بها في عام 887 ه - 1482 ، ونسب إلى سمرقند لأنه أقام بها طويلا . وكان أبوه من المقربين إلى بلاط شاهرخ كإمام وقاض ، أما الابن الذي لم يبلغ ما بلغه أبوه من نفوذ في البلاط فقد وجد الرعاية هناك بفضل معارفه العلمية والأدبية ولو أنه لم يتميز بشخصية تلفت النظر . وقد ظهر منه بلا شك استعداد للدبلوماسية فكلفه شاهرخ بمهام دبلوماسية في الأقطار الأجنبية ، مثال ذلك أنه بعث به في عام 845 ه - 1441 إلى الهند فأمضى بها حوالي ثلاث سنوات 41 ، وفي عام 850 ه - 1446 نجده بكيلان 42 ، وفي العام التالي أرسل به إلى مصر . غير أن وفاة شاهرخ غيرت من هذا الوضع 43 ، وابتداء من عام 867 ه - 1462 إلى آخر أيام حياته تولى عبد الرزاق الإشراف على خانقاه شاهرخ بهرات 44 . واكتسب عبد الرزاق شهرته العلمية من مصنفه التاريخي الكبير الذي يقع في جزئين وهو « مطلع السعدين ومجمع البحرين » الذي أتم تأليفه في حوالي عام 872 ه - 875 ه - 1467 - 1470 والذي كرسه بصورة خاصة لتاريخ المغول وتيمور وشاهرخ . وليس واضحا تمام الوضوح الغرض الذي استهدفه من هذا العنوان ، وأغلب الظن أنه يشير بذلك إلى بطلى روايته الرئيسيين ؛ ويرى البعض أن الإشارة ترتبط ببداية الكتاب ونهايته حيث يدور الكلام عن اثنين من الملوك حملا اسم أبي سعيد 45 ، والمقدمة التي تعالج الكلام عن المغول يتلوها عرض منظم ومتناسق لتاريخ الفترة من عام 717 ه - 1317