لها في الموضع المخصص لها من مخطوطة أكسفورد ، وهي المخطوطة الوحيدة التي حفظ لنا متنها القسم المخصص لبلاد ما وراء النهر من مصنف حافظ آبرو 25 .
ولم يقتصر ما تركه لنا حافظ آبرو من آثار أدبية على مصنفه الجغرافي وحده بل توجد له أيضا آثار تاريخية ليست أقل شهرة ؛ غير أن بارتولد يقف منها موقفا أكثر صراحة مما فعل مع المصنف الجغرافي ويعتبرها « أقل قيمة منه وأكثر طابعا نقليا » 26 ، وهو يقرر بوجه عام وبما عرف به من ميل إلى الإيجاز والتركيز أن حافظ آبرو قد حفظ لنا بوصفه مؤلفا نقالة كثيرا من المادة المفقودة وأنه يعد مصدرا من الدرجة الأولى بالنسبة لتاريخ عصره 27 . وأحد البحاثة المعاصرين يعبر عن رأيه بحماس أكثر 28 عندما يقرر أن حافظ آبرو يفوق رشيد الدين من حيث استكمال المادة ولو أنه اعتمد اعتمادا تاما على منهجه وآرائه . ولعله من الضروري أن نؤكد بصورة خاصة أن عباراته بوجه عام بسيطة للغاية وهذا ما أعطاه ميزة على بقية المؤلفين الآخرين ، كما يصدق هذا أيضا على الأقسام التي نقلها عنه عبد الرزّاق 29 .
ونتيجة لنشاطه المزدوج في مجالي التاريخ والجغرافيا فقد عاون هذا فيما يبدو على تسرب كمية كبيرة من المعطيات التاريخية بل وأحيانا أقسام بحالها إلى مصنفه الجغرافي ، كما يمكن أيضا أن نلحظ الظاهرة المضادة وهي أن تاريخه قد حفظ لنا كمية كبيرة من المادة الجغرافية . وبحسب المنهج الذي اتبعناه فإننا لن نقف عندها ولكننا نستثنى قسما طريفا منها هو وصفه للسفارة التي بعث بها شاهرخ إلى الصين في عام 822 ه - 825 ه - 1419 - 1422 .
هذا الوصف معروف من قبل عهد كاترمير 30 ، فقد ضمنه المؤرخ الفارسي عبد الرزّاق السمرقندي تاريخه المعروف وأصبح في متناول الأيدي بفضل ترجمة فرنسية منذ عام 1843 31 . غير أنه كما لاحظ بارتولد من قبل فإن عبد الرزّاق قد نقل هذا القسم بحذافيره كغيره من الأقسام عن كتاب حافظ آبرو 32 ، وأنه لما يدعو إلى الأسف أن عدم وجود طبعة لمصنف هذا الأخير قد اضطر البحاثة إلى الرجوع إلى الوصف الذي حفظته لنا رواية عبد الرزاق 33 كما كان عليه الحال من قبل ، رغما من أن مخطوطة اكسفورد لمصنف حافظ آبرو تحوى تفاصيل قيمة أسقطها عبد الرزاق . ومما يضيف إلى طرافة هذه السفارة التي بعث بها شاهرخ وأحفاد تيمور في صحبة الصينبين العائدين إلى بلادهم أن بايسنغر أدخل ضمن جماعتها نقاشا يدعى غياث الدين كلفه بأن 34 « يقيد على هيئة يوميات وذلك منذ لحظة مغادرته لعاصمة الدولة هرات إلى يوم رجوعه إليها كل ما يقع عليه بصره في جميع المدن والولايات التي يمر بها مما يستحق التسجيل كطريق الرحلة ووصف البلاد والعمارات ونظم المدن وعظمة الملوك وطريقة حكمهم لبلادهم وسياستهم وعجائب تلك البلاد والديار ورسوم هؤلاء الملوك » .
غادرت السفارة هرات في الرابع من ديسمبر عام 822 ه - 1419 35 ووجهتها سمرقند ، ثم خرجت من سمرقند في فبراير عام 823 ه - 1420 فوصلت إلى خانبالق في ديسمير من نفس العام
تاريخ الأدب الجغرافي العربي — صفحة 528
مساهمون: اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي
ص٥٢٨