الفصل التاسع عشر الأدب الجغرافي الفارسي من القرن الخامس عشر إلى الآونة الحاضرة
سبق أن بينا مرارا أن المصنفات الجغرافية التي كتبت باللغة الفارسية ترتبط ارتباطا وثيقا بالخطوط الرئيسية لتطور الأدب الجغرافي العربي بل وتسير في نفس اتجاه ذلك الأدب وتتمم مهمته ، فهي تارة تحفظ لنا مواد لم تصلنا في أصولها العربية وطورا تكوّن في ذاتها مصدرا لآثار مدونة باللغة العربية . وبعد الغزو المغولي بدأ خط تطور الأدب الجغرافي الفارسي يسير في اتجاه مستقل تماما فلم يكد القرن الخامس عشر يشارف الانتهاء حتى انتهت به سلسلة الآثار التي كانت تمثل لأسباب عديدة أهمية خاصة بالنسبة لنا .
وبالطبع فإن تطور هذا الأدب لم يتوقف عقب ذلك ، غير أن تتبعه في جميع خطوات تطوره كما حدث وأن فعلنا مع الأدب العربي لا يخدم أي غرض لأن هذا الأمر يحتاج إلى أبحاث خاصة يجب أن تخرج من أوساط المشتغلين بالدراسات الإيرانية ، أما فيما يختص بالعصور التالية لهذا وذلك ابتداء من القرن السادس عشر فسنكتفى بالإشارة العابرة إلى نماذج أدبية معينة لا لأنها تمثل أهمية خاصة في حد ذاتها بل لمشابهتها لظواهر مماثلة نلتقى بها في نفس تلك اللحظات في الأدب العربي .
وقد ظل المذهب العربي في الجغرافيا متمتعا بكامل قوته في القرن الخامس عشر نفسه ويبدو هذا بجلاء من تأثيره على مصنف المؤرخ النابه حافظ آبرو 1 ؛ واسمه كما أورده بارتولد 2 هو شهاب الدين عبد اللّه بن لطف اللّه الخوافي . ولد حافظ آبرو بهرات وتعلم بهمدان وتوفى بزنجان عام 833 ه - 1430 ، وكان من رجال البلاط منذ عهد تيمور واكتسب بعض الشهرة أيضا كلاعب للشطرنج ؛ وقد جعل منه حفيد تيمور شاهرخ الذي أخذه في معيته خلال حملاته - - العسكرية 3 بمثابة مؤرخ رسمي لدولته وكلفه بمهام علمية مختلفة ، وإحدى هذه المهام ارتبطت بوضع مصنف جغرافى 4 لا علم لنا بعنوانه ولو أنه يمثل أهمية خاصة بالنسبة لنا .
ففي عام 817 ه - 1414 حمل إلى شاهرخ كتاب في الجغرافيا باللغة العربية لم يبين اسمه بتفصيل كاف فكلف حافظ آبرو بترجمته إلى الفارسية وإتمامه من المصادر الأخرى المعروفة له . وقد سار العمل ببطء ملحوظ في البداية إلى أن اتخذ الكتاب صورته النهائية في قسمين ؛ ويمكن أن نحكم على هذا من التواريخ الدقيقة الواردة في آخر الاقتسام فمنها يتبين لنا أن المقدمة قد فرغ منها في عام 820 ه - 1417 والقسم الأول في عام 822 ه - 1419 هذا في حين انتهى القسم الثاني في عام 823 ه - 1420 . ومن المحتمل أن المؤلف