الأخرى ؛ ولهذا السبب فإن الكتاب يحمل طابعا شاعريا « * » لا يمكن إنكاره هذا إلى جانب فقرات معينة من تاريخ تغلب عليه الأسطورة 92 ، ولو أنه لا يخلو من معطيات ذات قيمة من مجالي الجغرافيا التاريخية والآثار المختلفة . وهو يقع في ثلاث عشرة فصلا 93 تبدأ من لحظة بناء المسجد الأقصى ويتخلل العرض شواهد دينية في فضل الحج إلى المسجد الأقصى والصلاة فيه وما في الحج من بيت المقدس إلى مكة من مزايا وفي أهمية الزكاة في بلد كبيت المقدس . وبعض فصول الكتاب تتناول الكلام على تفاصيل معينة من المسجد وبعض مواضع القداسة الأخرى بالمدينة ، أما الفصل الأخير فيعالج الكلام على فضائل الخليل ( حبرون ) التي ستنال كما سنرى اهتماما خاصا بها ومفردا لها . ومما لا شك فيه أن الكتاب لا يتمتع بأية أصالة فقد اعتمد المؤلف اعتمادا أساسيا على ابن عساكر وأبى المعالي 94 ، بل هو نفسه لا يخفى ذلك إذ يصرح في مقدمة الكتاب بأنه قد اعتمد قبل كل شئ على المؤلف الأول وأقل من ذلك على الثاني 95 . وقد أصبح مصنفه بالتالي مصدرا لعدد من المؤلفين الآخرين نخص بالذكر منهم السبكي 96 .
ومن بين جميع الجغرافيين الذين تخصصوا في المسألة الفلسطينية من منتصف القرن الرابع عشر إلى نهاية القرن الخامس عشر يسترعى النظر بشكل خاص ثلاثة هم المقدسي والسيوطي ومجير الدين العليمى ، وهؤلاء الثلاثة بالذات هم الذين رأى - - أن يوجه إليهم عناية خاصة في مصنفه الكبير لنهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين المستشرق الروسى مدنيكوف
N . A . Mednikov
؛ ومما يؤكد صواب مدنيكوف في هذا الاختيار أن واحدا من خيرة المتخصصين في جغرافيا فلسطين وهو المستشرق الألماني هارتمان
R . Hartmann
97 قد وصل إلى نفس هذه النتيجة مستقلا عنه ؛ ونحن بدورنا لا نستطيع إلا أن نترسم خطاهما . غير أنه يوجد إلى جانب هؤلاء الثلاثة مؤلفون من الدرجة الثانية
( dii minorum gentium )
، وهؤلاء بدرهم لا نستطيع إسقاطهم في عرض عام كهذا يتوخى الشمول ولكننا سنقف عندهم بإيجاز شديد . ومما يزيد في صعوبة دراسة هؤلاء المؤلفين أنه لم يطبع من بين مؤلفاتهم سوى مصنف مجير الدين وذلك في طبعة لا ترضى مطالب النقد العلمي .
وأول هؤلاء الثلاثة يدعى أحمد بن محمد المقدسي ( توفى في عام 765 ه - 1364 ) 98 ، ولقبه مختلف عليه ولكن مدنيكوف يفضل جمال الدين 99 . وهو لم يكن فلسطينى الأصل فحسب بل إنه يسوق نسبه إلى صحابي جليل هو تميم الداري 100 بطل واحدة من أغرب الرحلات الأسطورية في الأدب الجغرافي العربي ، وقد حدث أن عالجنا الكلام عليه في الفصل الأول من كتابنا هذا ؛ ولعل مؤلفنا اعتمد على ما تواتر لدى أسرته من أخبار تميم فوضع كتابا بعنوان « إفحام الممارى بأخبار تميم الداري » 101 .
ويبدو من هذا العنوان أن المؤلف قصد بالكتاب إثبات حقيقة تلك الرحلة . وقد اشتغل المقدسي بالتدريس
هامش
( * ) من المحتمل أن هذه غلطة مطبعية في الأصل الروسى وأن المؤلف إنما أراد أن ذلك الكتاب إنما يحمل طابعا تدينيا( Piety )وليس شاعريا( poetical ). ( المترجم )