بيت المقدس 68 . ويحمل مصنف المقدسي عنوان « فضائل البيت المقدس والشام » ، ولا يزال معروفا إلى هذه اللحظة في مخطوطة فريدة موجودة بتيبنغن
Tubingen
. ويبدأ العرض بتاريخ موجز لبيت المقدس القديمة وفتح العرب لها في عهد عمر وبناء عبد الملك في الحرم 69 ؛ ويلي هذا الكلام على فضائل المقدس وفضل الصلاة فيها ؛ وينصب العرض في جوهره على سرد الأحاديث النبوية التي قيلت في فضل القدس وهو منهج اكتسب رواجا كبيرا لدى المؤلفين التالين فنسج على منواله برهان الدين الذي مر ذكره للتو وابن عساكر ( الابن ) 70 وأحمد - - المقدسي 71 . وأخيرا نلتقى بالعنوان منفردا قائما بذاته على هيئة « فضائل بيت المقدس » ، وذلك في حوالي عام 500 ه - 1106 لدى أبى بكر بن محمد بن أحمد الواسطي وهو أيضا من المؤلفين الذين ورد ذكرهم لدى مجير الدين الذي لم يستطع التثبت من الزمن الذي عاش فيه على وجه الدقة 72 .
هذا وقد حافظ الأدب « الفلسطينى » لأسباب مفهومة لنا كل الفهم على ازدهاره الأول إلى ما بعد استيلاء الصليبيين على بيت المقدس واسترجاعها على يد صلاح الدين ، وأخذت طرفا فيه أحيانا شخصيات كبرى كالمؤرخ الداعية المشهور أبى الفرج عبد الرحمن بن الجوزي ( توفى في عام 597 ه - 1200 ) 73 .
وإن نشاط دعوته التي نالت الحظوة لدى الجماهير حتى خرجت أحيانا إلى الشوارع ليساعدنا على تفهم الأسباب التي حدث بمثل هذا الرجل ليجعل من فلسطين موضوعا لخطبه ولماذا اعتبرت أحيانا رسالته « فضائل القدس » مجرد فصل من مصنفه الكبير « مثير الغرام إلى ساكنى الشام 74 » . ومما يثبت أن الأدب الجغرافي من هذا الطراز كان يرتبط ارتباطا فعليا بالدعوة « التحريرية » التي لم تقف عند حد القول فقط بل خرجت أحيانا إلى حد الفعل حادث صغير في حياة سبطه وتلميذه الذي نال الشهرة أكثر منه أعنى المؤرخ سبط ابن الجوزي ( توفى عام 654 ه - 1257 ) ؛ فهو لم يكتف بدعوة أهل دمشق إلى جهاد الفرنجة بل اشترك بنفسه على رأس حملة عسكرية موفقة على مدينة نابلس 75 . وبعد قرن ونصف من هذا كان مصنف ابن الجوزي من مصادر رسالة مماثلة لكاتب كبير هو تاج الدين عبد الوهاب السبكي 76 .
وفي وقت واحد مع ابن الجوزي وذلك في الحد الفاصل بين القرنين الثاني عشر والثالث عشر يأخذ طرفا في الأدب « الفلسطينى » اثنان من أسرة دمشقية اشتهرت بمؤرخيها هي بنو عساكر . وأحدهم وهو القاسم بن عساكر ( توفى في عام 600 ه - 1203 ) ابن لصاحب معجم السير المشهور 77 وقد سلك سبيل والده فاشتغل بالوعظ بدمشق وزار القاهرة والقدس حيث قرأ في عام 596 ه - 1200 مصنفه عن المسجد الأقصى 78 . ومن الممكن أن نتصور ما تمتعت به مثل هذه الموضوعات من رواج ولمّا ينقضى على تحرير المدينة من أيدي الصليبيين أكثر من عشرين عاما . واسم مصنفه هو « الجامع المستقصى في فضائل - - المسجد الأقصى » ؛ وكان من مراجعه أبو المعالي المشرف 79 الذي مر ذكره توا ؛ كما أنه لا يوجد