شك في أن ابن عساكر أفاد من مؤلفات أبيه وهذا من شأنه أن يرفع من قيمة كتابه لأن الأب اشتهر بأمانته العلمية 80 . هذا المصنف لابن عساكر الابن الذي لم يصلنا حتى في المخطوطات قد تمتع بانتشار واسع وساعدت شهرة الأب في أنه لم يكن من النادر نسبة المصنف إليه في الأدب العربي ولدى الدوائر العلمية الأوروبية المبكرة ، ولكن يلوح أن اسم المؤلف الحقيقي قد ثبت الآن بصورة نهائية . ويوشك هذا المصنف أن يكون المصدر الأساسي لجميع من عالجوا الكتابة عن القدس إلى جمال الدين المقدسي في القرن الرابع عشر 81 ؛ وقد استعمله على حد سواء كل من الفزاري 82 والسبكي 83 . وكما هو تقليد أسرتهم فقد شغل بنفس الموضوع أيضا ابن عمه أمين الدين أحمد بن محمد الذي تقتصر معرفتنا بمصنفه « كتاب الأنس بفضائل القدس 84 » أيضا على ذكر الآخرين له ونقلهم منه . وهو قد قرأ مصنفه بدمشق في عام 603 ه - 1206 85 ويبدو من النقول أنه قد اعتمد فيه اعتمادا أساسيا على مصنف ابن عمه المشار إليه 86 ، كما كان هو بدوره مصدرا للسبكي 87 .
وإذا كانت الفترة الأولى لازدهار هذا الأدب الدعائى بفلسطين والشام ترتبط كما رأينا بمصير بيت المقدس وحروب صلاح الدين فإن الفترة الثانية الواقعة في القرنين الرابع عشر والخامس عشر والتي تعتبر أكثر إنتاجا في هذا الميدان يمكن أيضا تحليلها على ضوء وقائع من تاريخ حركة « التحرير » ، فتحرير الشام جميعها باستيلاء المسلمين على عكا وطرابلس في عام 1291 قد خدم كثيرا قضية هذا الأدب ؛ ومما يثبت وجود صلة لهذا الأدب بمسائل الجدل والخلاف
( Polemics )
ضد الفرنجة أن بداية القرن الثالث عشر قد شهدت وصول الرسالة المسماة « بالمسائل القبرصبة » إلى الشام وهي التي أخذ طرفا في تفنيدها لا الفقيه المشهور ابن تيمية وحده بل وأيضا الكوزموغرافى الدمشقي كما نذكر جيدا 88 . ومما يقف دليلا على حيوية هذا الاهتمام - - أن مخطوطات بعض مصنفات ذلك العصر قد حفظت إلى أيامنا هذه .
وأول مؤلفي القرن الرابع عشر من الناحية الزمنية هو برهان الدين إبراهيم بن الفركاح ( توفى عام 729 ه - 1329 89 ) الذي مر بنا اسمه أكثر من مرة ، وقد اشتغل بالتدريس بدمشق وزار مصر وتخصص إلى حد ما في هذا الأدب الذي كرس لفلسطين كما يبدو من اثنين من كتبه حازا رواجا لدى الجمهور أكثر من غيرهما . وأحد هذين الكتابين على ما يلوح ليس سوى تنقيح لكتاب الربعي الذي مر بنا الكلام عليه بل ويحمل نفس عنوانه وهو « الأعلام بفضائل الشام » 90 ، وأما الكتاب الثاني والذي نال انتشارا أكثر من سابقه فيحمل عنوان « باعث النفوس إلى زيارة القدس المحروس » ويوجد في « عدد كبير من المخطوطات ؛ وقد قام دى غين
De Guignes
بتحليل محتويات المخطوطة الباريسية منذ عام 1790 91 . ويبدو لنا من عنوان الكتاب نفسه أن الأمر لا يتعلق بمصنف في تاريخ القدس أو جغرافيتها بل بضرب من الدعاية الصريحة إلى زيارة ذلك المركز الديني حتى يفوز العبد بحسن المثوبة والمكافأة في الدار