هذا اللفظ من معنى ، وبهذا نرى لزاما علينا الاقتصار على تلك المصنفات المبكرة التي هي بمثابة الأساس في بنائه والتي تعتبر أنموذجا للمؤلفات التي أعقبتها . وسنرى فيما يلي كيف أن هذا الطابع النقلي يغلب تماما بحيث نلتقى في القرنين الرابع عشر والخامس عشر بمصنفات متشابهة يكرر بعضها البعض بصورة يمكن اعتبارها معها مسودات متعددة لمؤلف واحد ؛ وتكمن قيمة هذه المؤلفات في المادة التي تحويها والتي تنتظم أحيانا مدى واسعا فلا تقتصر على الموضوعات التي تمس الأغراض التي لفتنا النظر إليها بل تعالج إلى جانب ذلك مسائل هامة بالنسبة لنا من مجال التاريخ والجغرافيا بل ومن مجال الآثار والطبوغرافيا أحيانا .
هذا الأدب الواسع المدى لم ينشر منه إلى الآن إلا جزء ضئيل للغاية ، كما أن ما أخضع منه للدراسة أقل من ذلك بكثير . وبالرغم من أن نقاط معينة منه قد اجتذبت أنظار العلماء الأوروبيين أكثر من مرة إلا أنه لم تعمل حتى الآن محاولة لتقديم عرض موجز له تأخذ في حسابها الاعتبارات التي أشرنا إليها منذ قليل - - ؛ وقد مس هذه المسائل في بداية القرن التاسع عشر وذلك في بحث له عن مؤلف من أهل القرن الخامس عشر العلامة الدنمركى الشاب لمنغ
Lemmnig
( 1817 ) ، وفي بداية القرن العشرين فقط تمكّن المستشرق الروسى مدنيكوف
Mednikiov
( 1897 - 1903 ) وذلك في تحليله لآثار ثلاثة من مؤلفي القرنين الرابع عشر والخامس عشر من أن يلقى ضوءا ساطعا على المسألة المتعلقة بمصادرهم وبعلاقتهم ببعضهم البعض 63 . وقد تجمعت منذ ذلك الوقت مادة ضخمة في هذا الميدان ولو أن تحليلها لم يتقدم في جوهره بأبعد من النتائج التي وصل إليها مدنيكوف .
ومن خصائص هذا الأدب « الفلسطينى » ، وذلك في الفترة الأولى التي ترتفع إلى عهد سابق لعهد صلاح الدين ، أن فلسطين نفسها لا تنال فيه أهمية مستقلة بل تدخل ضمن الشام التي احتلت فيه المكانة الأولى . ومصنف أبى الحسن على الربعي الذي تم تأليفه حوالي عام 435 ه - 1043 يحمل عنوان « الاعلام بفضائل الشام ودمشق وذكر ما فيهما من الآثارات والبقاع الشريفة » 64 ؛ وإذا لم يكن من المعروف لنا أنه قد رجع إليه المتخصصون في الأدب « الفلسطينى » كبرهان الدين الفزاري من أهل القرن الرابع عشر أو كشمس الدين السيوطي من أهل القرن الخامس عشر 65 لما استبان لنا من عنوانه أن الكلام يدور فيه عن فلسطين كذلك . وفي الفترات التالية من تطور هذا الأدب تبدأ القدس في التمتع بحقوقها كاملة من حيث العناوين شأنها في هذا شأن دمشق ؛ وخير مثال لهذا مؤلف نال الصيت فيما بعد وهو أبو المعالي المشرف بن المرجى بن إبراهيم المقدسي 66 وليس لنا علم بالزمن الذي عاش فيه وقد حاول عبثا مجير الدين 67 في القرن الخامس عشر أن يثبت تاريخ الفترة التي عاش فيها ولكنه لم يوفق في ذلك ؛ غير أنه من الممكن إرجاعه إلى نهاية القرن الخامس الهجري أي الحادي عشر الميلادي لأن ثمة إشارة وردت لدى ياقوت تفيد بأنه كان معاصرا لمكى بن ريّان الذي قتل عند استيلاء الصليبيين على