ولم تقم الدعاية على استثارة العواطف الدينية فحسب بل إن العلماء قد اهتموا أيضا بتوضيح جانب آخر دنيوي يتعلق بفلسطين فأخذت تتشكل وتنمو الفكرة القائلة بأن الشام تمتلك تسعة أعشار ثروة العالم بأجمعه ؛ ولا يخفى ما تسوق إليه مثل هذه الأفكار من التزامات نفسية معينة فقد أحس المسلمون بأن عليهم أن يرتحلوا إلى تلك البلاد لا خضوعا لتلك العواطف الدينية وحدها بل وأيضا ليستغلوا خيراتها لأنفسهم ولغيرهم سواء في مجال التجارة أو الزراعة . ولعله لم يكن من قبيل الصدفة أن يولى أبو البقاء مثل ذلك الاهتمام لأزهار وفاكهة وادى دمشق مبينا في ذات الوقت ما يلقاه كل منها من إقبال في البلدان الأخرى وفي أي صورة كان ذلك .
وجميع هذا الأدب الجغرافي ذو الطابع الدعائى وما اصطبغ به من أغراض دينية أو دنيوية - - قد ارتبط ارتباطا وثيقا على جميع مراحل تطوره بنمو الحركة التي أطلقنا عليها اسم حركة « التحرير » . وترجع بداية هذه الحركة إلى عهد صلاح الدين الأيوبي أو إلى ما قبل ذلك بقليل حينما مر ما يقرب من مائة عام على وجود بيت المقدس في أيدي الصليبيين ( 492 ه - 583 ه - 1099 - 1187 ) 61 وتنتهى الفترة الأولى لهذه الحركة باسترداد المسلمين لعكا وطرابلس في عام 1291 . أما الفترة الثانية منها فتصل إلى عام 1375 عندما قضى المماليك على مملكة أرمينيا وضموها إلى مصر فوجدوا بذلك أنفسهم وجها لوجه مع الأتراك العثمانيين الذين كما اكتشف المماليك بالتالي لم يكونوا أقل حماسا دينيا منهم أو ضراوة في القتال .
وقد كانت أنظار المماليك معلقة بحوض البحر الأبيض المتوسط حيث توقعوا على الدوام خطر الغزو من أوروبا يهدد سواحل مصر والشام لذا فإن الفترة الثالثة والأخيرة لحركة « التحرير » الإسلامي ضد الصليبيين تبدأ بالعمليات الحربية الموجهة ضد جزيرة قبرص في عام 1424 والتي ربما كانت بمثابة انتقام من الصليبيين لتخريبهم الإسكندرية في عام 1365 ، وتنتهى هذه الفترة بحملة المماليك الفاشلة للاستيلاء على جزيرة رودس حيث التقوا هناك بالأتراك العثمانيين الذين كان يحدوهم نفس الأمل . وحتى هؤلاء الأخيرين لم يحالفهم التوفيق بالاستيلاء على الجزيرة إلا في عام 1522 بالرغم عن أن عملياتهم العسكرية ضدها ترجع بصورة جدية إلى منتصف القرن الخامس عشر 62 .
أمام هذه التحديدات الزمنية التي بيناها بوضوح كاف يضحى أكثر فهما لنا سبب النمو غير العادي الذي تمتع به الأدب الجغرافي عن فلسطين في القرنين الرابع عشر والخامس عشر بالذات . ولا يجب بأية جال الاعتقاد بأن هذا الأدب يرجع في نشأته إلى هذين القرنين إذ أنه يرتبط في الواقع بتقاليد أدبية ضاربة في القدم سنضطر إلى الوقوف على لحظات معينة منها ؛ وقد كشفت هذه التقاليد عن استعداد غريب للاستمرار والتماسك وسنرى كيف اشترك أحيانا علماء من أسرة واحدة أو من مدرسة واحدة في معالجة موضوع واحد ، كما سنتبين كذلك النزعة للاحتفاظ بعنوان واحد لعدد من المصنفات . ومما يؤسف له أن ما يتميز به هذا الأدب من ناحية الكم لا تعادله ميزاته من ناحية الكيف فهو أدب نقلي بكل ما يحمله
تاريخ الأدب الجغرافي العربي — صفحة 507
مساهمون: اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي
ص٥٠٧