تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الأدب الجغرافي العربي — صفحة 506

مساهمون:

ص٥٠٦
لآخر من التفاصيل مما قد يكون ذا أهمية للمتخصصين 57 . أما أسلوبه الكتابي فلا يخلو أحيانا من التكلف وتنتثر فيه الاستشهادات الشعرية وفقا للموضوع الذي يعالجه ؛ أما تبويبه للمادة فبدائى للغاية وهو يبدأ كلامه دائما بالصيغة الآتية تقريبا : « ومن محاسن ( دمشق ) الشام كذا وكذا . . . . . . . » 58 . ولإعطاء فكرة عن منهجه في التأليف بل ومنهج غيره نذكر أنه رغما من إقامته بدمشق ومعرفته الجيدة بها على ما يبدو فإن هذا لم يمنعه في وصفه لمسجدها الجامع من أن يفضل الرجوع إلى رواية الرحالة الأندلسي ابن جبير 59 التي ترتفع إلى القرن الثاني عشر ؛ وهي ظاهرة كما نعلم موجودة لدى جميع الجغرافيين العرب . ويلوح أن وصف أبى البقاء قد اكتسب بعض الشهرة بالشام ففي القرن السادس عشر أفاد منه البصروى 60 عند معالجته لنفس الموضوع ، وسنلتقى بهذا الأخير فيما سيمر من هذا الكتاب . وإذا حدث وأن لاحظنا بعض الحيوية في ميدان الجغرافيا الإقليمية فيما يتعلق بدمشق والشام عامة فإنه لا يمكن - - مقارنة ذلك بأية حال بالنشاط المفعم فيما يخص فلسطين والقدس بصورة خاصة ، فمن السهل علينا أن نعد في خلال القرنين الرابع عشر والخامس عشر ليس أقل من عشرة مؤلفين تركوا أحيانا مؤلفات ضخمة في هذا الميدان . وهذه الظاهرة بطبيعة الحال ليست وليدة المصادفة لأنها تتصل في الواقع بتقاليد موغلة في القدم ترتبط بالاتجاهين الحديثى واللغوي للقرنين التاسع والعاشر ، وإلى جانب هذا فقد وجدت فيما يتعلق بفلسطين أسباب خاصة جعلتها في فترات معينة من التاريخ محط أنظار العالم الإسلامي بأجمعه ؛ وهذا هو السر في أن مؤلفي هذه المصنفات لم يكونوا من أهل فلسطين أو الشام وحدهما بل كانوا أيضا من المصريين . ويجب ألا يغيب عن الذاكرة أن مصر والبلاد المرتبطة بها كانت تقف في القرون الأخيرة السابقة لخضوعها للعثمانيين على رأس الحركة الرامية إلى تحرير فلسطين والمناطق المجاورة لها من أيدي الصليبيين . وتاريخ هذه الحركة قد تردد صداه في عدد هائل من الآثار الأدبية ، ويستحق من وجهة النظر هذه بحثا خاصا يعالج الفترة بأجمعها منذ عهد صلاح الدين الأيوبي إلى عهد محمد الفاتح . ووجهة النظر الإسلامية فيما يتعلق بفلسطين كانت مشابهة كل الشبه لوجهة النظر المسيحية التي تشكلت وأخذت قالبها في عهد الصليبيين فقد انبعث أدب دعايه ذو أصالة كبرى انصبت فكرته في أن فلسطين بل وجميع أرض الشام إنما هي أرض المعاد بالنسبة للمسلمين لا ينازعهم في شرعيتها أي منازع . ولم تلبث مقابر الأنبياء القديمة الموجودة بها وأيضا المعابد والمساجد العتيقة أن اكتسبت قداسة لا تفوقها سوى قداسة مكة والمدينة ؛ وفي العصور المتوسطة الأخيرة أصبح الحج إليها فريضة كالحج إلى مكة ودفع هذا بدوره إلى ازدهار المؤلفات المرتبطة بها والتي احتيج إليها لأغراض الدعاية من جهة وأغراض تعريف المسلمين بتلك البلاد نفسها من جهة أخرى . وكان الدعاة يشيرون دائما إلى أنه يجب ابتغاء مرضاة اللّه بزيارة تلك البلاد وإنفاق الصدقات على المؤسسات الموجودة بها كمؤسسات العبادة وفعل الخير والعلم .