أحيائها ، وكانت نقطة التقائهما الوحيدة هي أنه بقدر ما ركزت الخطط اهتماما قبل كل شئ على القاهرة فإن المصنفات الشامية قد ركزت بدورها اهتمامها الأساسي على المدن الكبرى كدمشق والقدس وحلب بعض الشئ . وهي ترتبط أكثر مما ترتبط الخطط بذلك النمط القديم نمط « الفضائل » و « المحاسن » الذي تمتد جذوره إلى القرنين الثامن والتاسع ؛ ولم تكن هذه الصلة قد انفصمت بالطبع ولكن ظهور الأنماط الأخرى وازدهارها قد دفع أحيانا إلى تناسيها ولكننا نراها الآن لأسباب عديدة تجمع قواها من جديد بل وتحتل مركز الصدارة . وتكمن طرافة هذا النمط في تشبئه الشديد بتقاليده الأدبية فهنا يتمم المصنف المصنف السابق عليه بل وقد يقتصر أحيانا على مجرد إدخال تجديدات بسيطة عليه . وفي القرن السادس عشر أي تحت سلطان العثمانيين كان هذا النمط أكثر أنماط الأدب الجغرافي قربا إلى نفوس القراء .
وقد أبصرنا من قبل ، وذلك خلال فحصنا للآثار المحلية المرموقة ، كيف انعكس هذا الاهتمام بالجغرافيا الإقليمية لدى مؤرخ الشام في القرن الثالث عشر عز الدين بن شداد الذي يحمل الجزء الثاني من مصنفه في بعض الأحيان عنوانا قائما بذاته هو « محاسن إقليم دمشق » كأنما ينوه بذلك إلى محور اهتمامه الرئيسي ويمثل هذا النمط في القرن الخامس عشر بصورة أكثر جلاء مصنف عبد اللّه بن محمد البدري الدمشقي 49 ولو أن قيمته الأدبية ليست بالكبيرة ؛ ونحن لا نعلم شيئا عن المؤلف نفسه سوى أنه أتم مصنفه حوالي عام 887 ه - 1482 50 وأن له مصنفات أخرى يرجع تأليفها إلى الربع الأخير من القرن الخامس عشر وأن تاريخ وفاته ينسب أحيانا إلى عام 909 ه - 1503 51 ، ويوجد أساس قوى للاعتقاد بأنه أقضى شطرا طويلا من حياته بدمشق وعرفها معرفة جيدة لأن هذا ينعكس بجلاء من تضاعيف مصنفه « نزهة الأنام في محاسن الشام » - - الذي اجتذب أنظار العلماء منذ عهد دى ساسى 52 وكاترمير 53 بفضل مخطوطته الباريسية ، كما وأن المستشرق الفرنسي سوفير
Sauvarie
نشر مقتطفات منه مترجمة إلى الفرنسية 54 . وقد ظهر الكتاب في طبعة قاهرية منذ عهد ليس بالبعيد 55 ؛ وتوجد له مخطوطة جيدة بمكتبة معهد الدراسات الشرقية 56 .
يقدم لنا المؤلف في كتابه هذا وصفا لمشاهد دمشق الجديرة بالاهتمام ، أو كما يعبر هو بلفظه الخاص « محاسن » دمشق ، وللمواضع القريبة منها ؛ وفيه يعالج الكلام على مساجدها المختلفة وحماماتها ومتنزهاتها كما لا يهمل الحديث عن قراها ومواضعها المشهورة بأزهارها ونباتها وأشجار فاكهتها . وفيما يتعلق بالمجموعة الأولى فهو يورد بعض التفاصيل التاريخية والمعمارية أما فيما يتعلق بالثانية فيفصل أحيانا الكلام على طرق جمعها ووسائل تسويقها . ويختتم المؤلف كتابه بالكلام عمن عاش بدمشق من الصحابة ومشاهير الرجال وعن مقابرها وجباناتها وما بها من قبور معروفة . أما توزيع مادة الكتاب فغير متجانس ويلوح أن المؤلف قد افتتن بصورة خاصة بالأشجار والأزهار والبقول والثمار التي تنمو بدمشق ونواحيها فخصص لهذا ثلاثة أرباع الكتاب تقريبا ، وهو ينقل عن مصنفات مختلفة في الطب والنبات ويقدم لنا من وقت