تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الأدب الجغرافي العربي — صفحة 888

مساهمون:

ص٨٨٨
طموحها إلى مثلها العليا ، ويبارك مسعاها إلى اقتحام آفاق المجهول والكشف عن أسرار الكون والحياة ، متحررة من وهم العداء بين الدين والعقل ، ومطمئنة إلى التأييد الإلهى الذي أضفى على العلم حرمة مقدسة ، منذ تلقت هذه البشرية كتاب الإسلام .
« إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ » .

( 4 ) الحديث والجغرافيا

إلى هنا نفرغ من كلام كراتشكوفسكى عن القرآن الكريم ، لننظر فيما كتب عن الأحاديث النبوية ، وقد قال بتوفر مادة هائلة منها للحكم على أن دراسة القرآن سارت باتساع الأفق الجغرافي للعرب ، إثر الفتوح الكبرى ، في اتجاه مضاد تماما ، إذ اقتصر على محاولات لتفسير وتأويل الإشارات الجغرافية الغامضة والنظريات التي أتى بها القرآن - ص 50 . والأمر فيما يتصل بالحديث ، من كتاب كراتشكوفسكى ، أشق وأعسر من أن يضبط : فلقد كنا في كلامه عن القرآن الكريم نجد أمامنا آيات محددة نحتكم إليها في مناقشته ، أما في كلامه عن الأحاديث النبوية ، فالضوابط تكاد تكون ضائعة ، والمعالم مبهمة ، والحدود تائهة ! لقد بدأ فاعترف « بأن المتعمق في دراسة الحديث لا يمكنه اعتبار جميع الأحاديث صادرة عن محمد » ص 50 . وكان مقتضى هذا الاعتراف ، وجوب تمييز ما هو منها حديث فعلا ، ثم تخريجه لبيان درجة صحته . وذلك ما لم يحاول الأستاذ المؤلف شيئا منه ، وهو يستطرد من اعترافه ذاك ، إلى حشد مرويات مرسلة ، مركزا اهتمامه وجه خاص على « النمط الذي ازدهر فعلا وانتعش ، وهو الجغرافيا الأسطورية » ص 51 . وقد ملأ ست صفحات بنماذج مختارة من « هذه الأسطوريات » وكأنها أحاديث نبوية صحيحة « نعلم منها مثلا كيف دخل محمد في نضال ضد تصورات الجاهلية القائلة بأن الأنواء والنجوم هي المسئولة عن تساقط المطر » ص 50 ، ونقرأ فيها أن « الحديث مفعم » بوصف جبل قاف ، وتحديد موضعه ، وتصدع سد يأجوج ، وقد اهتم المستشرق هنا بتقرير أنه « يعكس صدى التصورات اليهودية والإيرانية - ص 51 » . ولم يهتم بإيراد نصوص الأحاديث ، وإثبات أسانيدها ، وذكر مواضعها ومصادرها !