الآية - التي تمثل بدورها ترجمة دقيقة لحكمة عبرية - إنما ترد بطريقة رمزية . وهكذا فهم المقدسي الأمر ، بيد أن هذا لم يمنع بقية الجغرافيين ، بل وأحيانا العلماء الأوربيين ، من الكلام عن سبعة بحار مختلفة في القرآن ، ولعلنا نجابه مرة أخرى تأثير المغزى السحرى للرقم سبعة ، كما هو الشأن مع الأرضين السبع . » ص 49 .
ونص الآية المستشهد بها :
« وَلَوْ أَنَّ ما فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ ، وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ ، ما نَفِدَتْ كَلِماتُ اللَّهِ »
لقمان 27 .
وهو الموضع الوحيد الذي جاءت فيه
« سَبْعَةُ أَبْحُرٍ »
في القرآن كله . ومن بالغ الاعتساف وشطط التأويل أن تؤخذ شاهدا على قول القرآن بنظرية جغرافية عن « بحار سبعة مختلفة » والاستعمال البلاغي فيها واضح تماما ، لم يفت كراتشكوفسكى ، وإن لم يفته كذلك أن يشير إلى حكمة عبرية بهذا المعنى ، وإلى ما نجابه من التأثير السحرى للرقم سبعة !
وغاب عنه أن كثيرا من الحكم والأمثال تتكرر في عدد من اللغات ، فلا يكون هذا دليلا على أخذ إحداها من الأخرى ، وإنما هو دليل على فطرية الحكمة وإنسانيتها . ورقم سبعة قد يستعمل في العربية للدلالة على مطلق التعدد دون قصد إلى الدلالة العددية المحددة بالرقم ، كما نستعمل رقم مائة أو ألف للدلالة على الكثرة ، ورقم اثنين للدلالة على القلة ، وتجرى بهذا أساليبنا دون أن يقال بتأثير سحرى لرقم أو لآخر .
ومع ذلك ، لو أننا أخذنا بالدلالة الرقمية المحددة ، لكان الذي في الآية ثمانية أبحر لا سبعة : « والبحر بمده من بعده سعة أبحر » وبهذا وحده تنهار كل التأويلات القائلة بوجود نظرية عن البحار السبعة في القرآن الكريم !
* * * ولا أطيل الوقوف عند قول كراتشكوفسكى : « . . . وعند ذكر ذي القرنين في القرآن ، يرد الكلام على يأجوج ومأجوج . . . وأخبارهما ترجع إلى التوراة ولعلها وصلت إلى محمد عن طريق الأساطير السريانية المتعلقة بالإسكندر » 50 .
إلا أن ألفت إلى ما يتورط فيه كراتشكوفسكى من خطأ وتهافت ، تحت سيطرة فكرته في مصدر القرآن وإنه من صنع محمد نفسه . وهذا هو يقرر أن أخبار يأجوج ومأجوج وردت في التوراة ، ثم يقول باحتمال وصولها إلى محمد - صلعم - عن طريق الأساطير السريانية ، ولا يقول بوصولها إليه عن طريق التوراة ، وهي إليه أقرب !