بل إنه في مادة ( الرقيم ) من معجمه الجغرافي ، نقل ما نقل من مرويات عن « رحلة عبادة ابن الصامت » نفسها ، ثم ختمه بقوله :
« واللّه أعلم بصحته » .
وهو ما يجب أن يذكره لياقوت ، من ينقل عنه هذه المرويات وأمثالها ، إبراء للذمة ، واحتراما للضمير العلمي .
* * * وبعد فلعلى فيما ناقشت من أقوال الأستاذ كراتشكوفسكى ، لم أحد عما التزمت به من أخذه بمنطق البحث العلمي الحر . ومن حق الأستاذ الكبير أن أذكر له أنه ما كاد يعبر تلك المرحلة الحرجة المتصلة بعصر ظهور الإسلام ، حتى انطلق يتابع رحلته الشاقة عبر تاريخنا الجغرافي الطويل ، بجهد مخلص ، بعد أن تخلص من العقدة الدينية التي احتكمت فيه وهو ينظر في تصورات العرب ومعارفهم الجغرافية ، ما بين الجاهلية وعصر الرسول صلى اللّه عليه وسلم .
( 5 ) الإسلام والصليبية
والقسم الثاني من الكتاب ، يبدأ بجغرافيى العرب في القرن الرابع عشر الميلادي ( الثامن الهجري ) أي بعد نحو سبعة قرون من تلك المرحلة الدقيقة التي أشرت إليها . ولكن الأستاذ المؤلف ، واجه هنا - من ناحية أخرى - عصر اتصال الغرب بالشرق دينيا وحربيا وفكريا ، وعلى قدر ما بذل الأستاذ من حرص وحذر في عبور ذلك العصر الحرج المائج بصاخب التيارات ، وعلى قدر ما حاول من نزاهة وحياد علمي ، في رصد انتقال المشعل الحضارى من الشرق الإسلامي إلى الغرب المسيحي ، لم يسلم الأمر من مواضع قلقة ، أخطأه فيها المعهود من حرصه ودقته .
فهو يرى أن « وجهة النظر الإسلامية - فيما يتعلق بفلسطين وتحريرها من الصليبيين - كانت مشابهة كل الشبه لوجهة النظر المسيحية التي تشكلت وأخذت قالبها في عهد الصليبيين » - 2 / 506 .
وتعميم القول بهذه المشابهة ، كل الشبه ، بين وجهتي النظر الإسلامية والصليبية ، فيه من عدم الدقة ما لا يطمئن إليه النظر العلمي ولا ينسلّم به الحق التاريخي الذي يفرق بين غزاة طامعين ، وبين محررين مجاهدين .