وبقي عليه أن يفسر لنا ، لماذا تأثر محمد - على رأيه - بالمصادر الخارجية ، ولم يتأثر بالشعر الجاهلي الزاخر بالواقعية والصحة ؟ لقد عاش صلى اللّه عليه وسلم في الجاهلية أربعين سنة ، كان الشعر فيها ينفرد بالسلطان الأكبر على الوجدان العربي ، وكانت أرجاء الجزيرة تتجاوب به ، وكانت أسواقها في عكاظ والمجنة وذي المجاز - وكلها حول مكة - مواسم أدبية ، يقد إليها الشعراء من مختلف القبائل لينشدوا قصائدهم . وثابت في السيرة النبوية أن محمدا قبل مبعثه كان يشهد هذه الأسواق ويصغى إلى ما ينشد فيها من شعر . ويصح مع ذلك عند كراتشكوفسكى ألا يتأثر محمد بشئ من « مادة جغرافية زاخرة بالواقعية والصحة » في هذا الشعر الجاهلي ، وأن يتأثر فقط بنظريات أغلبها من مصادر خارجية ، بل أن ينفرد بهذا التأثر بها ، دون كل شعراء العرب في الجاهلية وعصر المبعث !
وإذ قال إن العلم الجغرافي لا يستطيع أن يحتمل عبء تفسير هذه النظريات الجغرافية ، فإن لنا أن نقول : إن القرآن الكريم هو الذي لا يحتمل عبء تأويلات كراتشكوفسكى للآيات التي أخذ منها نظريات عن بحرين ، وبحار سبعة ، وأرض ثابتة مسطحة ، وسماء مبنية بنيانا حسيا ماديا ! ولا هو بالذي يحتمل عبء الخلط بين نصوص آياته البينات ، وبين ما أقحم عليه من بدع التأويلات وشطط الأوهام ومدسوس الإسرائيليات .
ولا يضير القرآن الكريم أن تكون « المادة الجغرافية فيه طفيفة على العموم » فما هو كتاب جغرافيا وما ينبغي له . والذي فيه من « مادة جغرافية » لم يكن يقصد منها أن يكون النبي معلما للجغرافيا أو الكارتوغرافيا أو الفلك . . وإنما هي جميعا لافتة إلى آيات القدرة المدبرة لهذا الكون ، يدركها الإنسان السوى بفطرته السليمة إذا نظر وتأمل ، فيؤمن بأن شيئا من هذا النظام الكوني لا يمكن أن يكون عبثا .
وأحتكم إلى النص القرآني ، وإلى الواقع التاريخي ، حين أسأل : كيف جاز لكراتشكوفسكى أن يقول إن اشتغال المسلمين بالقرآن الكريم ، سار باتساع الأفق الجغرافي للعرب في اتجاه مضاد تماما ؟ إن الباحث المؤرخ مهما يكن رفضه للأديان ، مطالب علميا بألا يجهل أن هذا القرآن هو الذي أرهف حس العرب وأنار بصيرتهم وحرر عقولهم من أغلال العقم والتعطل ، وهو هو الذي أعلن رشد البشرية وجعل العقل مناط الإيمان وجوهر إنسانية الإنسان ، إذا تعطل أو جمد ، مسخت بشريته أبشع المسخ وهبطت إلى دونية الدواب العجماء البكماء :
« إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ » .
وما يجوز لأي باحث مهما يجحد إلهية القرآن ، أن ينكر أنه الذي بدأ يقود البشرية على مراقي