ومستوى عصورهم وأنماط شخصياتهم ومذاهبهم « 1 » وكل ما أورده كراتشكوفسكى من تأويلات ، مقحم على النص القرآني ، وليس صحيحا أن ألفاظ القرآن عن البحرين ، تحمل في أي موضع منها طابع الغموض ، اللهم إلا عند من لا يجدون ذوق العربية وحس البيان القرآني .
ونحن نتلو الآيات التي وجدها كراتشكوفسكى غامضة :
« وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ ، وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها ، وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ »
فاطر 12 .
« أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ ، وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً ، أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ ، بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ »
النمل 61 .
« وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً »
الفرقان 53
« مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ ، بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ . فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ » .
الرحمن 19 .
نحن العرب نتلوها فلا نجد فيها لبسا ولا غموضا ، ومألوف في لغتنا أن تثنى الشيئين بتثنية أحدهما على التغليب ، فتطلق البحرين على البحر الملح والنهر العذب تغليبا ، كما تطلق الأبوين على الأب والأم ، والقمرين على الشمس والقمر ، تغليبا كذلك . ولا نقول في هذه الآيات بنظرية جغرافية معقدة أو غير معقدة ، وإنما سياقها جميعا في مقام الاستدلال لقدرة اللّه واللفت إلى آياتها في الكون والحياة .
ولا وجه لتحديد البحرين بهندى وفارسي ، أو بالأبيض والأحمر ، والبيان القرآني لم يتعلق بشئ من هذا التحديد الذي لا يتصل بمهمته من تبيان آية القدرة الإلهية في البحرين يلتقيان وبينهما برزخ لا يبغيان ، وفي البحرين لا يستويان هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج ، ومن كل نأكل لحما طريا ونستخرج حلية ، ونرى الفلك فيه مواخر . . .
واستطرد « كراتشكوفسكى » في حديثه عن البحار ، فجاء بنظرية قرآنية أخرى عن « بحار سبعة » ! قال :
« وفي موضع آخر من القرآن ، غلب عليه الجانب البلاغي ، دفع إلى ظهور نظرية عن البحار السبعة :
31 / 26 ، لم تلبث أن انعكست في الأدب الجغرافي . ومن الواضح أن الإشارة إلى البحار السبعة في هذه
هامش
( 1 ) من أهم ما يشغلنا اليوم ، تحرير فهمنا للقرآن الكريم من شطط للويلات وبدع المذهبيات ومدسوس الإسرائيليات ، وذلك بالتزام منهج دقيق في فهم النص القرآني ، يأخذنا بضوابط صارمة لا تدع مجالا لأي تأويل مقحم . انظر كتاب ( مناهج تجديد ) للأستاذ أمين الخولي ط دار المعرفة ، وكتاب ( التفسير البياني للقرآن الكريم ) لبنت الشاطئ . ط المعارف 1962 .