تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الأدب الجغرافي العربي — صفحة 883

مساهمون:

ص٨٨٣
وما من مسلم ذي ثقافة جغرافية ، يجد أدنى شعور بالقلق أو الحرج ، حين يتلو اليوم الآيات الخمس التي استشهد بها كراتشكوفسكى :
« أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً . »
النمل 61 .
« أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً . وَالْجِبالَ أَوْتاداً . وَخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً » .
النبأ 6 .
« وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً . لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلًا فِجاجاً » .
نوح 19 .
« الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً »
البقرة 22 .
« الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَجَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ »
الزخرف 10 . لكن هذا الأسلوب البياني الذي لا صلة له بالعلم الجغرافي ، صار عند المستشرق نظرية جغرافية منصوصا عليها في القرآن بصراحة ، وكأن أحدنا إذا قال اليوم : الأرض فراشي ، أو الأرض مهاد لي ومقر ، حوسب جغرافيا ، وعدّ من القائلين بأن الأرض مسطح ثابت ! * * * وانتقل « كراتشكوفسكى » إلى البحر ، ففاجأنا بنظريات قرآنية حيّرته . قال : « ولعل النظرية القائلة بوجود بحرين في القرآن ، تكاد تكون أعسر مشكلة في الأدب الجغرافي على الإطلاق . وقد وردت الإشارة إليها أكثر من مرة في القرآن ، وأن هذين البحرين يفصل بينهما برزخ يمنع تمازجهما : 27 / 62 ، 55 / 19 . وسرعان ما ظهرت الفكرة القائلة بأن المراد من هذا هو البحر المتوسط والمحيط الهندي بخليجه الذي يتمثل في البحر الأحمر ، وأن البرزخ المقصود هو برزخ السويس . ولعله تحت تأثير الرواية الإيرانية تحولت هذه الفكرة إلى عقيدة ثابتة في الجغرافيا والكارتوغرافيا العربية . . » ص 47 . ثم أشار إلى تفسير « بارتولد » للبحرين بأنهما نهر الفرات والخليج الفارسي ، ووهّنه « بأن القرآن ينص صراحة على أن البرزخ يمنع البحرين من الامتزاج ، الأمر الذي لم يحدث مطلقا بين الفرات والخليج الفارسي . وفضلا عن ذلك فإن مثل هذا التفسير يفترض في محمد معرفة كافية بجنوب العراق ، وهو فرض لا يتفق مع الرواية التاريخية . وثمة تفسير جديد للمستشرق فنسنك ، فهو يلاحظ أن الآيات المتعلقة بهذين البحرين تفترض وجود محيط سماوي ، وهي فكرة متداولة بين الساميين الغربيين ، وعرفها محمد ولو بصورة مبهمة . . . ومما زاد في اللبس أكثر ، أن هذه المسألة لم تكن واضحة لمحمد نفسه ، وأن ألفاظه في عدد من المواضع تحمل طابع الغموض » ص 48 . ومع اعترافنا بأن من هذه التأويلات للبحرين ما ورد في كتب مفسرينا ، إلا أننا نفرق بين القرآن وبين التفسير من حيث هو فهم المفسرين لكتاب الإسلام ، فهما متأثرا ، ولا شك » بعقلية مجتمعهم