وإنما قصد به ما اعتاد العرب في الجاهلية كلما أرادوا قتالا في الأشهر الحرم ، أن ينسأ لها ناسئوها هذه الحرمة فيؤجلوها إلى شهر أو شهور أخرى ، وذلك ما أبطله الإسلام بآية التوبة 37 :
« إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ » .
ولفظ النسىء فيها ، من النسء بمعنى التأخير والتأجيل ، وهو واضح تماما لأصحاب العربية . والناسئون من العرب هم الذين كانوا يقومون بوظيفة النسء ، فيحلون القتال في الأشهر الحرم ، ناسئين حرمتها إلى شهور الحل . ويقول شاعرهم مفاخرا :
ألسنا الناسئين على معدّ * شهور الحلّ نجعلها حراما
وليس الغريب أن يبدو لفظ النسىء غامضا على كراتشكوفسكى ، ولكن الغريب أن يحكم بأنه « لفظ لم يتضح معناه تماما إلى الآن » ولو أنه التمسه في أي معجم من معاجم العربية ، لوضح له معناه كل الوضوح ، ولأدرك أنه لا صلة له بسنة شمسية أو قمرية ، ولا بشهر كبيس أو غير كبيس « 1 » .
* * * وانتقل المؤلف من السماء إلى الأرض ، فزعم أن في القرآن نظرية رئيسية ، هي أن الأرض مسطح تابت . قال :
« وإذا كانت نظرية السماوات تلعب الدور الرئيسي في التصورات القرآنية عن السماء ، فإنه قد وجدت فيما يتعلق بالأرض نظريات ارتبط بها الأدب الجغرافي على مر تاريخه . وإحدى هذه الأفكار الرئيسية هي أن الأرض مسطح ثابت : 27 / 63 ، 78 / 36 ، 7 . وهي فكرة سادت من قبل عند اليهود كما عرفها اليونان في عهد هومير وهزيود والفلاسفة الأيونيين . وقد عبر القرآن عن هذا بمقارنات حسية مباشرة ، فالأرض تشبه الفراش : 2 / 20 ، 51 / 48 ، والبساط : 71 / 18 ، والمهاد : 78 / 6 ، والمهد :
43 / 9 » ص 47 .
ويخطئه هنا أيضا حس التعبير الأدبي للعربية ، في تشبيه الأرض بالقرار والمهاد والفراش والبساط ، على المشهود المألوف من استقرارنا عليها واطمئناننا فوقها . وإنا لنمارس عيشنا المستقر على هذه الأرض ونتخذ منها - دون البحار والفضاء - مهادنا وفراشنا ومقرنا ، وتجرى بهذا أساليب قولنا ، وليس فينا من لم يتعلم من مبادئ الجغرافيا « أنها رغم ذلك تدور » !
هامش
( 1 ) عاد الأستاذ المؤلف فأشار في ص 77 ( فقرة أول ) إلى النسىء ، ولنقول بأنه « شئ أشبه بالشهر الكبيس » وأن المعنى الحقيقي لهذا اللفظ قد نسي تماما ! !