لقد أعيا هذا المستشرق الروسى فهم النص القرآني ، وأبهمت عليه أساليبه فلم يخطر على باله احتمال أن يكون هو نفسه عاجزا عن فقه أسرار العربية وإدراك أسرار بيانها العالي ، وإنما أسرع يحكم بغموض المغزى على محمد نفسه ، ويقرر بأنه - صلى اللّه عليه وسلم - قد التجأ عن قصد إلى العبارات الغامضة والأساليب المبهمة !
ونسأل : فيم كل هذا العناء من « كراتشكوفسكى » لإثبات أن شيئا مما في القرآن الكريم قد جاء في التوراة أو الإنجيل أو قديم الثقافات ؟ ! ! إن القرآن يصرح في أكثر من موضع بأنه مصدق لما بين يديه من التوراة والإنجيل ، ويصرح في أكثر من موضع بأنه يقص على الرسول من أنباء الأولين ، ما هو عبرة وعظة !
* * * ونفرغ الآن للنظر في ما كتبه « كراتشكوفسكى » عن المادة الجغرافية في القرآن الكريم ، أو كما قال : النظريات الجغرافية المنصوص عليها في القرآن .
وأول ما ذكره منها يتعلق بالسماء في القرآن ، ويستوقفنا منه قوله - ص 46 - إن « صورتها مادية بشكل واضح ، ففي أكثر من موضع يرد الكلام ، ولو مجازا ، بإمكان سقوط قطع منها - كسف :
17 / 94 ، 26 / 187 ، 34 / 9 ، 52 % 44 - وأنها قد شيدت بناء أو سقفا - 2 / 30 » « 1 » .
ووضوح الاستعمال المجازى في آية البقرة ( 22 ) المستشهد بها :
« الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً »
ينفى أن يراد بالبناء أصله الحسى المادي . ومثلها آيتا الطور :
« وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ »
والأنبياء 32 :
( وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ )
.
ونحن نقول اليوم : بناء الوطن ، وبناء المستقبل ، فلا يتصور من له أدنى حظ من حس العربية ، أن المقصود بالبناء هنا مفهومه المادي . ولا نكتفي مع ذلك برد تأويل « كراتشكوفسكى » بوضوح الدلالة المجازية ، وإنما نلفت أيضا إلى ما غاب عنه ، وهو أن القرآن لم يستعمل قط مع السماء ، صيغة بنيان التي يضطرد استعماله لها بدلالتها الحسية المادية ، مفرقا بينها وبين صيغة ( بناء ) التي تأتى فيه بدلالة مجازية معنوية .
فلقد ورد المصدر ( بنيان ) في سبعة مواضع ، إما بصريح دلالتها الحسية في الآيات :
الصف 4 :
« إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ »
.
الصافات 97 ، في سياق قصة إبراهيم :
هامش
( 1 ) الأرقام هنا ، وفيما يل - تشير إلى الآيات والسور ، كما نقلها المؤلف . . وفيها أخطاء استدركناها في التعليق ، عند إيراد نصوص الآيات القرآنية التي أشار إليها .