المراكز الحضرية في بلاد العرب . والشواهد التي نقل منها « كراتشكوفسكى » معارف العرب وتصوراتهم الجغرافية في الجاهلية ، تكفى وحدها للرد عليه :
جاء بأبيات لحسان بن ثابت قبل الإسلام ( ص 43 ) وحسان من الخزرج ، ومنزلهم كان بيثرب ، وهي من المراكز الحضرية الكبرى في بلاد العرب بالجاهلية « 1 » . والمواضع التي ذكرها حسان الخزرجي في أبياته المستشهد بها ، من ديار آل جفنة بالشام ، وليست من بادية الجزيرة !
وجاء بأبيات للشاعر الجاهلي « عبيد بن الأبرص » - ص 43 - وفيها ذكر لمواضع التقت فيها قبيلته بالغساسنة !
ونقل معارف جغرافية من أبيات للشاعر المخضرم « لبيد بن ربيعة » وفيها ذكر جبل « أحد » ومواضع أخرى من الحجاز ، حول يثرب ، وليست من البادية !
كما أشار في هذا المقام إلى النابغة الذبياني والأعشى البكري ( ص 44 ) ولم يقل أحد قبله إنهما من شعراء البدو ، وأولهما كان ملازما للنعمان بن المنذر في بلاط اللخميين بالحيرة ، والآخر طال تنقله بين المراكز الحضارية ، وتعددت رحلاته إلى الحيرة والشام وفارس .
فالقول بأن تراث الجاهلية ، يعطينا المعارف الجغرافية للبدو وحدهم دون الحجاز وبقية المراكز الحضارية في بلاد العرب ، خطأ أساسي أقام عليه « كراتشكوفسكى » فكرته في الربط بين القرآن الكريم وبين ثقافة الحجاز ، ليقول إن هذا القرآن هو جماع ما حصله محمد من تلك الثقافة المتاحة لبيئته - -
وكان يكفى لرفض هذا ، وضوح الخطأ في مقدماته ، لكنا نلفت كذلك إلى ما في عبارته عن « المعارف التي حصل عليها محمد بطريق السماع ، وهي تمثل نموذجا عاما لمستوى الثقافة العامة في هذا المجال » من فساد يكشفه أن تلك المعارف التي يقول إنها « كانت تحت تصرف محمد » كانت كذلك تحت تصرف أكثر شعراء العربية وخطبائها قبل المبعث ! ألفا دامت تمثل نموذجا عاما لمستوى الثقافة العامة في هذا المجال ، فإن ما وصل إليه محمد « بطريق السماع » لم ينفرد به دون معاصريه ، وفيهم شعراء فحول .
فلماذا كان القرآن المصدر « الذي يمكن الاعتماد عليه اعتمادا كليا » في معارف المراكز الحضارية ببلاد العرب ، حيث اختلط بالسكان الأصليين عدد من اليهود والنصارى » ؟ !
و « كراتشكوفسكى » الذي يعترف بأن محمدا كان أميا ، ليس بحيث بجهل أنه كان بين شعراء العرب
هامش
( 1 ) انظر طبقات ابن سلام : شعراء القرى العربية ص 52 وما بعدها ط بريل ( ليدن ) .