تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الأدب الجغرافي العربي — صفحة 877

مساهمون:

ص٨٧٧
في عصر المبعث وقبله ، عدد من غير الأميين ، ففيهم اختصاص محمد بالسماع لمعارف عامة ، في المراكز الحضارية ، وقد كان صنّاع القول وفيهم غير أميين ، أولى باستيعاب تلك المعارف « التي تمثل ثقافة عامة » من ذلك « الرجل الأمى » الذي لم يعرف له التاريخ مشاركة في أي فن من فنون القول ، قبل أن يبعث برسالته في الأربعين من عمره ؟ ويعرف المستشرق أيضا ، أن من شعراء الجاهلية والخضرمة ، من كانوا يقيمون في المراكز الحضارية « حيث اختلط بالسكان الأصليين عدد من اليهود والنصارى » وأن من أولئك الشعراء ، من كانوا يهودا كالسموءل ، ونصارى كعدى بن زيد الذي عاش ما بين فارس والحيرة ، وكان يقوم بالترجمة بين الأكاسرة والمناذرة ، والمعارف التي كانت تحت تصرف محمد - صلى اللّه عليه وسلم - بطريق السماع ، كانت متاحة لهؤلاء وأمثالهم بصفة أصيلة وطريقة مباشرة ، مما يبطل « افتراض أن القرآن هو جماع تلك المعارف التي حصل عليها محمد بطريق السماع » والتي يقول إنها « تمثل نموذجا عاما ، لمستوى الثقافة العامة في هذا المجال » .

( 3 ) القرآن والجغرافيا

وهو يمضى في بحثه متأثرا بفكرته الخاطئة وواقعا تحت سيطرتها ، فلا ينظر في « المادة الجغرافية في القرآن » نطرة الباحث الحر ، وإنما يتعثر منطقه فلا يكاد يسلم من خطأ . لقد كان المنتظر ، مع القول بعمومية هذه المعارف الجغرافية في بيئة محمد وعصره - أن يبين لنا الأستاذ « كراتشكوفسكى » أصداء هذه المعارف العامة في شعر معاصري محمد صلى اللّه عليه وسلم . لكنه سكت عنهم جميعا فلم يشر إليهم من قريب أو بعيد . وواضح كل الوضوح ، أنه يئس من وجود شعراء من العرب يشاركون محمدا في هذه « المعارف التي كانت تحت تصرفه » فلم يبق أمامه إلا أن يفترض مقدما ، أن لهذه المعارف التي انفرد بها القرآن دون تراث العرب في أخريات الجاهلية وصدر الإسلام ، مصادر خارجية أمدت محمدا وأثرت في شخصيته ( ص 45 ) ومن ثم اتجهت محاولته إلى الربط بين المادة الجغرافية في القرآن ، وبين قديم المعارف دينية وغير دينية ، مصرحا بأهمية تتبع مظان هذه المادة ومصادرها . قال : « وبالطبع فإن مدى هذه المعلومات والمسائل المتعلقة بها ، كان أوسع بكثير مما هو عليه الحال مع البدو كما تردد في أشعارهم . وهي في مجموعها لا تكشف عن صعوبات خاصة ، ولكن تتبع مظانها