ومصادرها والملابسات التي أحاطت بظهورها حد عسير ، لأن المؤثرات التي عملت في محمد وصقلت شخصيته متنوعة للغاية ، وأثرت فيه بطرق متعددة متضاربة . وجميع ما يتصل بها يحتاج إلى بحث خاص قائم بذاته ، ومثل هذه المهمة يستحيل تحقيقها في عرض عام كهذا » ص 45 .
وقد جهد - مع ذلك - في التماس مصادر للمادة الجغرافية القرآنية ، في تراث بابل وإيران واليهود والنصارى والسريان ، والزعم بأن هذه النظرية أو تلك قد وصلت إلى محمد « وعرفها ولو بطريقة مبهمة » - صفحات 46 سطر 1 ، 13 ، 27 % 47 / 9 ، 15 ، 20 ، 26 % 48 / 10 ، 15 ، 25 + 50 / 3 - وكأن هذا التراث كان دائرة مقفلة لا تباح لغير محمد - - وكأن الأعشى نفسه - وقد ذكره كراتشكوفسكى في هذا المجال - لم يذكر في شعره « الترك وكابل وبابل » وكأن عدى بن زيد والسموءل والربيع بن أبي الحقيق وكعب بن الأشرف وغيرهم من شعراء النصارى واليهود « 1 » ، كانوا بمعزل عن تراث النصرانية واليهودية والإيرانية ، ليستقل محمد - صلى اللّه عليه وسلم - بتلقيه عن طريق السماع !
هي إذن عثرة أسلمت إلى عثرة : عز على كراتشكوفسكى أن يجد في تراث الشعر الجاهلي مثل ما في القرآن ، فقصر هذا التراث على البدو وحدهم .
ثم عز عليه أن يجد مثل ذلك في تراث شعراء الحجاز والمراكز الحضارية ببلاد العرب في عصر الرسول ، فمضى يرد المعارف الجغرافية في القرآن إلى مصادر خارجية !
ومع ذلك ، لم يصل إلى ما أراد التماسه منها إلا بمشقة واعتساف ، فاعترف بصعوبة هذا التتبع ، ثم أضاف إلى هذا الاعتراف - في تبرير عجزه أمام تفرد القرآن الكريم . دعوى غموض ما في القرآن من هذه المعارف ، قال :
« أضف إلى هذا أنه لا يمكن اعتبارها دائما انعكاسا لمادة عربية بحتة . . غير أنه مما يزيد في صعوبة تحليل المادة بشكل خاص ، هو أن مغزى القصص الواردة في القرآن لم يكن على الدوام واضحا حتى لمحمد نفسه ، وهو قد التجأ عن قصد إلى العبارات الغامضة والأساليب المبهمة كما يتضح في أكثر من موضع من القرآن » ص 45 .
إلى مثل ذاك المدى ، انحرفت به عقيدته في مصدر القرآن ، عن طريق البحث الحر ، فأضلته ضلالا بعيدا :
هامش
( 1 ) انظر شعراء النصرانية للأب لويس شيخو وطبقات ابن سلام : شعراء يهود المدينة ، ص 70 وما بعدها ، ط بريل . وانظر معهما ما كتب « إسرائيل ولفتسون » من شعراء اليهود في كتابه « تاريخ اليهود في بلاد العرب » ص 25 ط الاعتماد بالقاهرة ، سنة 1927 .