( 2 ) الشعر الجاهلي والقرآن
وأول ما يلقانا من جناية القول بأن القرآن كلام محمد ، على سلامة البحث الجغرافي ، أن « كراتشكوفسكى » حين واجه الفرق الواضح بين تراث الشعر الجاهلي وبين القرآن ، اضطر لتبرير هذا ، إلى الزعم بأن الشعر الجاهلي كله هو تراث البدو وحدهم ، دون المراكز الحضرية التي عاش فيها محمد - صلى اللّه عليه وسلم - وأخذ منها معارفه الجغرافية .
وانحرف به طريق البحث ، فإذا كل الكلام عن تصورات العرب الجغرافية في الجاهلية ، يتعلق بالبدو وظروف حياتهم ، ومداركهم ( ص 41 ) ومعرفة البدو بالأنواء والقمر والكواكب ( ص 42 ) وبعد أن يورد نصوصا من الشعر الجاهلي بختم هذا الكلام عن تصورات العرب الجغرافية إلى عصر ظهور الإسلام بقوله :
« هذا هو على وجه التقريب نوع المعلومات الجغرافية الموجود لدى بدو الجاهلية ، ولكن وجدت إلى جانب هذا مراكز حضارية بلغت درجة أرفع من الحضارة ويمكن أن تنشأ فيها تصورات جغرافية أوسع وأكثر تنوعا ، ولا نقصد بهذا دولتي الغساسنة واللخميين إذ أنهما دخلتا في محيط حضارتين متقدمتين هما البيزنطية والإيرانية ، ولم تخلفا مادة عربية يمكن أن تمس موضوع دراستنا . أما فيما يتعلق بالمراكز الحضارية الكبرى في بلاد العرب نفسها ، حيث اختلط بالسكان الأصليين عدد من اليهود والنصارى ، فإنه يمكن الاعتماد اعتمادا تاما على القرآن .
« إن المعلومات الأساسية منها التي كانت تحت تصرف محمد ، لم تكن غريبة على الوسط الذي عاش فيه . أعنى وسط الحياة الحضرية بالحجاز . ومن الجلى أن محمدا كان رجلا أميا ، وتكتسب هذه الحقيقة مغزى خطيرا لأنها تسوقنا إلى الافتراض بأن القرآن هو جماع تلك المعارف التي حصل عليها محمد عن طريق السماع ، وهي تمثل نموذجا عاما لمستوى الثقافة العامة في هذا المجال » ص 45 .
وكما قلت آنفا : من العبث العقيم أن نناقش أساس فكرته بالمنطق الديني ، وإنما نأخذه بالمنطق العلمي فنراه أدار الكلام عن الجاهلية ، على فكرة خاطئة ، ثم رتب عليها نتائج فاسدة بفساد مقدماتها .
فما من عالم بتاريخ الأدب العربي ، يمكن أن يسلم له بأن تراث الجاهلية خاص بالبدو وحدهم دون