الأولى » إذ يبدو أن هذا الفصل بوجه خاص ، هو الشوط الحرج من رحلة المؤلف عبر تاريخنا الجغرافي ، وذلك بحكم تعلقه بعصر ظهور الإسلام ، حيث لم يستطع الأستاذ المؤلف أن ينجو من عقدة إقحام العقيدة الدينية في البحث العلمي الجغرافي .
وأقرر بادئ ذي بدء أنني لا أحاول هنا أن أناقش المستشرق الروسى بمنطق العقيدة ، أو أن أرد عليه بأدلة شرعية تلزمنا ولا تلزمه ، وإنما أناقشه بمنطق البحث العلمي الحر ، وأحتكم فيما أخالفه فيه إلى أصول منهجية ملزمة لكل من يتصدى للبحث ، مهما تكن ملته ومذهبه .
( 1 ) محمد والقرآن
وبهذا المنطق العلمي المحرر ، لقف أولا عند هذه العبارات عن محمد صلى اللّه عليه وسلم والقرآن الكريم ، وقد قال فيها المؤلف - بعقيدته لا بعلمه - ما نصه :
« . . ومن الجلى أن محمدا كان رجلا أميا . وتكتسب هذه الحقيقة مغزى خطيرا ، لأنها تسوقنا إلى الافتراض بأن القرآن هو جماع تلك المعارف التي حصل عليها محمد بطريق السماع » . صفحة 45 فقرة 2 .
« وهي في مجموعها لا تكشف عن صعوبات خاصة ، ولكن تتبع مظانها ومصادرها والملابسات التي أحاطت بظهورها أمر جد عسير ، لأن المؤثرات التي عملت في محمد وصقلت شخصيته متنوعة للغاية ، وأثرت فيه بطرق متعددة متضاربة » 45 ف 2 .
« والمادة الجغرافية في القرآن طفيفة على وجه العموم ، أضف إلى هذا أنه لا يمكن اعتبارها دائما انعكاسا لمادة عربية بحتة . . . غير أنه مما يزيد صعوبة تحليل هذه المادة بشكل خاص هو أن مغزى القصص الواردة في القرآن لم يكن على الدوام واضحا حتى لمحمد نفسه ، وهو قد التجأ عن قصد إلى العبارات الغامضة والأساليب المبهمة ، كما يتضح في أكثر من موضع من القرآن » 45 / 3 .
« . . فإن مثل هذا التفسير - لآيات البحرين في القرآن - يفترض في محمد معرفة كافية بجنوب العراق ، وهو فرض لا يتفق مع الرواية التاريخية .