أورد في أوله دائرة مشتملة على صور الأقاليم والبحار زعما منه أنه كذلك في نفس الأمر وهو الضلال البعيد عن الحق المطابق للواقع فإن الرجل ليس أهل فن جغرافيا وتصويره لا يقاس على سائر النقوش والتصاوير ومع ذلك أورد أخبارا واهية وأمورا مستحيلة كما هو دأب أهل العربية والأدباء الغافلين عن العلوم العقلية ان - - هذا الكتاب متداول بين أصحاب العقول القاصرة كأمثاله أوله الحمد للّه غافر الذنب وقابل التوب الخ ، ولعلّ المصنف أشار إلى هذا التأليف وأمثاله من الذنوب » 11 .
ولا نستطيع إلا أن نوافق حاجى خليفة في تقديره العام للكتاب فهو مدخل عادى للغاية في الجغرافيا والتاريخ الطبيعي ولكن غفل من أية قيمة علمية ذات بال 12 . ثم إن ميله الصريح إلى الخرافات والعجائب 13 تجعل منه شبيها لحكايات « القصاص » ، تلك الحكايات التي كسبت لنفسها سمعة سيئة منذ الأيام الأولى للحضارة العربية ولو أن ذلك لم يحل دون رواجها بين العامة . ويغلب على القسم الأكبر من الكتاب القصص الخيالية - - والعجائب والغرائب المختلفة 14 بينما لا تجد فيه الأخبار الواقعية سوى مجال محدود 15 . وهو يحتل مكانته لا بين الآثار الجغرافية الكبيرة بل بين المتوسطة العادية ولو أنه يجب ألا ننفى بصورة كلية كما فعل حاجى خليفة 16 وجود بعض الفائدة لديه .
فابن الوردي رغما من كل هذا قد حفظ لنا أحيانا مواد لم تصلنا في مصادرها الأولى 17 ، وتعتبر « خريدة العجائب » في العادة انتحالا لمصنف الحراني من أهل القرن الرابع عشر 18 والذي حدث أن توقفنا عنده فيما مر من هذا الكتاب ، غير أن الفحص الدقيق للمسألة يحول دون قبول هذا الرأي على علانه . وابن الوردي نفسه يسرد مراجعه التي نجد من بينها بطلميوس والبلخي والمسعودي والمراكشي ونصير الدين طوسي وآخرين غيرهم 19 ؛ ونحن قد تعودنا بالطبع أن نبصر أحيانا في الإشارات إلى المؤلفين المختلفين ضربا من الدفاع عن النفس ، وهذا يصدق بدوره على ابن الوردي . فمن الملاحظ أن أن اسم الحراني لا يوجد في ثبت مصادره بينما يدين له ابن الوردي في واقع الأمر بالكثير ولو أنه لا يدين له وحده ؛ ومما يؤسف له حقا أننا لسنا في وضع يسمح لنا بمقارنة المتنين . ولعب دورا ليس أقل من هذا تأثير القزويني عليه 20 . وقد عرف ابن الوردي مصنفه معرفة جيدة ولا شك ، ويؤكد هذا بالتالي المستشرق الروسى مدنيكوف
N . A . Mednikov
21 في فحصه للأقسام الخاصة بفلسطين . وبنفس الدرجة يمكن أن نبصر تأثير الدمشقي والإدريسى عليه ، والأخير قد استعمله ابن الوردي عند كلامه على مواضع متباعدة كصقلية 22 وفلسطين 23 ؛ كذلك عرف جيدا مؤلفين أقل شهرة من أولئك كالمقدسى صاحب « كتاب البدء » 24 . كل هذا يضطرنا إلى التسليم بأن محيط اطلاعة كان واسعا بما فيه الكفاية ولم يقتصر بأية حال على الحراني وحده .
ونادرا ما نلتقى على صفحات كتابه بذكر لأوروبا أو آسيا الشمالية أو الهند ، أما أكثر مادته طرافة فهي تلك التي تخص إفريقيا وبلاد العرب والشام 25 . وهو يعتمد في كلامه عن الروس وأوروبا الشرقية