تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الأدب الجغرافي العربي — صفحة 772

مساهمون:

ص٧٧٢
والمادة الغنية التي أوردها تغفر له النقص في النظام والترتيب ؛ وهي ظاهرة شملت عددا غفيرا من المؤلفين آنذاك . وفي الواقع أنه حتى هذا المصنف من مصنفات الزيانى لا يمثل أهمية جغرافية فحسب بل يقدم لنا إلى جانب ذلك مواد جمة من تاريخ الفترة التي عاش فيها . والزيانى هو المؤرخ الوحيد الذي شغل بالجغرافيا خاصة ، واستطاع بفضل رحلاته أن يحصل على معلومات مباشرة عن بلاد البحر الأبيض المتوسط ، المسلمة وغير المسلمة ، مما لا نجد مثيلا له عند معاصريه . وقد دفعه حب الاستطلاع ليحتفظ بمذكرات ومدونات عن المناطق التي زارها ، وتعد معطياته في هذا الصدد أغنى بكثير مما جمعه السابقون أو حتى معاصروه مثل العياشي والغزال 95 . وهو بالطبع على معرفة جيدة بالمصنفات السابقة له وينقل عنها الكثير ، ولكنه لا يبالغ في هذا النقل بل يعتمد اعتمادا رئيسيا على ملاحظاته وانطباعاته الشخصية . ولا يستوقف اهتمامه الجغرافيا السياسية وحدها بل إنه يتحدث عن كل ما يراه جديدا ، كما يتحدث عن الإصلاحات الاجتماعية ويورد المعلومات عن أي أثر يراه طريفا ويقدم وصفا طوبوغرافيا دقيقا لمدينة فاس مفصلا الكلام على مساجدها ومدارسها وقناطرها وتحصيناتها 96 . وتلك الأقسام من مؤلفاته التي يتحدث فيها من أوروبا تكشف عن معرفة جيدة بها 97 ، وهي في هذا المجال وفي غيره لا تكتفى بحفظ ما يمكن أن يطلق عليه مادة تاريخية فحسب بل وتمثل أيضا أهمية جوهرية بالنسبة لدراسة هذه المادة وتحليلها ؛ ومن الملاحظ أن المؤلفين من هذا الطراز قليلون في العصر التالي لعصر الزيانى . وللزيانى مؤلف آخر أشبه بجامع
( Compendium )
في الجغرافيا كما يبدو وهو يحمل عنوان « رحلة الحذاق لمشاهدة البلدان والآفاق » 98 . وهذا العنوان يمكن أن يعكس بعض الصدى لمصنف الإدريسى المشهور ، غير أننا لا نعرف عن الأثر نفسه شيئا ما فيما عدا العنوان والذي حفظه لنا ثبت مؤلفات الزيانى . أما المؤلف المغربي الثاني ومعاصر الزيانى الذي يكبره سنا فإنه يربطنا بتقاليد أوصاف أسبانيا التي كان سابقه المباشر فيها هو الوزير الغساني . واسم مؤلفنا هذا هو أحمد بن مهدي الغزال ( توفى في عام 1191 ه - 1777 ) 99 ويرجع أصل أسرته إلى الأندلس ، وكان أيضا يشغل منصب كاتب أسرار مولاي محمد بن عبد اللّه الذي بعث به إلى أسبانيا في عهد كارلوس الثالث عام 1179 ه - 1766 للبحث في أمر تبادل الأسرى . وكانت تمرة هذه الرحلة كتابه « نتيجة الاجتهاد في المهادنة والجهاد » ؛ وهو غير مطبوع ولكنه معروف جيدا لدى الدوائر العلمية بفضل العدد الكبير من مخطوطاته . وقد اتبع الغزال في بداية رحلته نفس الطريق الذي سلكه الغساني قبله ، بل ويبدو - - أن وصف الرحلة قد وضع تحت تأثير مصنف الأخير « * » . وهو ينسج على منواله بإيراده وصفا وافيا لجميع مراحل طريقة 100 ، ولكنه على نقيضه يحدد بوضوح الهدف الذي قام من أجله بالرحلة وهو إطلاق سراح الأسرى المسلمين الموجودين بأسبانيا عن طريق دفع الفدية ،
هامش
( * ) لعل هذا من الأسباب التي دفعت عددا من العلماء المعاصرين في الغرب والشرق إلى الخلط بين السفارتين ونسبة السفارة الأولى خطأ إلى الفقيه الكاتب أحمد بن المهدى النزال . ( المترجم )