ولكن من شأن روايته أن تجتذب أنظار عالم الآثار . أما أسلوبه فهو في العادة أسلوب متزن يتمتع بالكثير من الدقة الفنية
( technical )
مما يعاون على وضع معجم خاص للألفاظ من ميدانى الآثار
( archaeology )
والفنون التصويرية 105
( fine arts )
؛ ومن الملاحظ أنه يوجد من بينها عدد من الكلمات الإسبانية التي استعملت في ذلك العصر 106 .
وهذا الوصف في مجموعه ذو أهمية كبيرة بوصفه وثيقة تاريخية تقدم لنا لوحة جيدة لأسبانيا في القرن الثامن عشر ، وهو يمثل مصدرا هاما للغاية للتعريف بها . ومعطياته عن المجتمع الإسبانى قد كيفتها بصورة قوية وجهة نظره الخاصة كمسلم ؛ وهي على أية حال لا تضيف كثيرا إلى مادة الغساني ، ولكن إلى جانب هذا فإن تصويره لافتكاك الأسرى وتسلم المخطوطات يشكل مادة أصيلة ذات قيمة قصوى لا وجود لها في مصدر آخر سواه . ووصفه للآثار العربية بأسبانيا يسبغ على مصنفه لونا فريدا لا يقابلنا في الفترات التالية لهذا ، كما أنه ليس بمقدور مؤرخي الفن أن يلتقوا بهذا القدر الكبير من التفاصيل الفنية
( technical )
في محيط المعمار
( architecture )
؛ وهو في هذا الباب يحتل مكانة خاصة بين جميع الرحالة العرب الذين زاروا أسبانيا 107 ويمكن في نقاط معينة مقارنة وصفه لأسبانيا في القرن التامن عشر بوصف فرنسا في عهد لويس الخامس عشر الذي دونه محمد أفندي . وليس بعيدا أن يكون قد ترك بعض الأثر على الأقسام المشابهة من مصنف الزيانى 108 . ولا يخلو من طرافة أن نلاحظ أن رحلة الغزالي ربما كانت سببا في دفع الكاتب الأسبانى كادالسو
Cadalso
أوكاداهلسو
Cadahalso
( 1741 - 1782 ) لتأليف « الرسائل المراكشية »
Cartas Marruecas
التي يمكن مقارنتها من حيث الطرافة « بالرسائل الفارسية »
Lettres Persanes
لمونتسكيو ، ففيها يرد الكلام عن شخص يدعى غزال بن علي
Gazel ben Ali
يقص على صديق له بمراكش ما رآه في أسبانيا 109 .
ونستطيع أن نختتم عرضنا للأدب الجغرافي في القرن الثامن عشر بالوقوف عند مؤلف يعد أنموذجا مثاليا لهذا العصر ؛ وهو لم يكن من أهل الجغرافيا بالمعنى الضيق لهذا اللفظ ولكن المادة الجغرافية قد وجدت طريقها إلى معجمه الضخم الذي لا يزال حتى هذه اللحظة المرجع الأول في اللغة العربية لجميع المهتمين بدراستها ولا تخلو منه مكتباتهم . بل إن سيرة حياته تعد في ذاتها أنموذجا صادقا لهذا العصر الذي يسبق مباشرة عصر النهضة العربية الجديدة ، فقد ولد محمد مرتضى الزبيدي بالهند في عام 1145 ه 1732 ولكنه ينتمى إلى أسرة عربية أصلها من العراق ودرس في شبابه بمكة وعاش طويلا باليمن ومنها أخذ لقب الزبيدي نسبة إلى مدينة زبيد باليمن . ومنذ عام 1167 ه - 1753 استقر بالقاهرة ومن ثم اقتصرت أسفاره بعد ذلك التاريخ على مصر وحدها فزار مضارب القبائل العربية بمصر السفلى - - والعليا ، وتوفى بالقاهرة من الطاعون في عام 1205 ه - 1791 110 . وقد تمتع الزبيدي خلافا لما كان عليه العلماء في ذلك العهد باحترام كبير من معاصريه ومن السلطات الحاكمة لسعة اطلاعه ونشاطه الجم في مجال التدريس ، وبسبب مصنفاته كذلك .