من الحجم الكبير . وكان جل اهتمامه منصبا على التاريخ ، ففي عام 1230 ه - 1815 أكمل مصنفه الرئيسي والذي يتمتع بقيمة كبرى خاصة في ميدان التاريخ الحديث ؛ والكتاب يقع في قسمين غير متساويين من حيث الحجم ، الأول منهما بمثابة مقدمة موجزة يعرض فيها للتاريخ الإسلامي عامة أما الثاني فيعرض لتاريخ الأسر الحاكمة في الإسلام حتى عهد العثمانيين في المشرق ، ولتاريخ المغرب ابتداء من الأدارسة إلى عهد شرفاء سجلماسة . وكذيل للكتاب يسوق عرضا اثنوغرافيا لمراكش ، ثم يختتمه بنظرة عاجلة لرحلاته .
ولم يمنعه - - تقدم السن من أن يشرع في تأليف مصنفه الجغرافي الضخم الذي يقدم فيه عرضا وافيا لجميع رحلاته على ضوء الجغرافيا العامة واستطرادات أخرى عديدة 88 ؛ وقد أتم هذا المصنف في عام 1233 ه - 1818 وهو في سن السادسة والثمانين وكان يضيف إليه حتى لحظة وفاته . والكتاب يحمل في العادة عنوان « الترجمانة الكبرى التي جمعت أخبار ( مدن ) العالم بر أو بحرا » ، أما العنوان الكامل فهو أوسع من هذا بكثير 89 ويعكس تلك التقاليد القديمة التي ارتبط بها الزيانى نفسه ، فهو يجرى كالآتى : « الترجمانة الكبرى التي جمعت أخبار العالم برا وبحرا ، وما تخللها من الأمصار ، والمدن والقرى والقفار ، والبحار والجبال والأنهار ، والعيون والمعادن والآبار ، وغير ذلك من عجائب خواص الحيوانات والأحجار ، ويؤيد ذلك من التفسير والآثار ، ونوازل الفقه ولغة العرب وشواهد الأشعار » . من هذا يتضح لنا أن الزيانى إنما يسير على الطراز القديم المعروف لنا جيدا لنمط « الرحلة » والأوصاف العامة . والقطب الذي يدور حوله هذا الكتاب هو رحلاته نفسها ولكنه لم يلتزم بالطبع في هذا أي نظام .
فأول ما يرد في الكتاب هو وصف وطنه المغرب 90 ، وتليه قصة رحلته إلى استنبول عام 1200 ه - 1786 . ويغتنم هذه الفرصة ليصف الأندلس والقسطنطينية وآثارها ؛ ثم ينتقل بعد هذا إلى وصف طريق عودته مع عرض قصير للجزائر وتونس . وتلى هذا أوصاف متقطعة تسوق إلى عرض عام لنظام الأقاليم السبعة ، ويعقب هذا وصف مصر ووصف رحلته إلى الحجاز الذي يقترن به استطراد في تاريخ ملوك الفرس القدماء . ويلي الوصف العام للبحار والجبال ثبت بمصنفات المؤلف واستطراد عن الأنبياء الأقدمين ويختتم كل هذا بتعداد لمدن العالم ابتداء من الغرب 91 . وليس من العسير أن ندرك من هذا العرض أن الزيانى يعيد لنا في وضوح ذكرى معظم المؤلفين السابقين له ، بما في ذلك مؤلفي القرنين التاسع والعاشر ، وأن الجذور التي تربطهم به ظاهرة للعيان . وحتى في اتجاه الكارتوغرافيا يبدو أنه قد أراد إحياء تقليد قديم قد عفى عليه الزمن في المغرب ، وبغرض الوصول إلى هذا فقد قام برسم خارطة الإدريسى بطريقة بدائية للغاية مع تقسيم العالم إلى سبعة أقاليم ، هذا إلى جانب قطع عديدة أخرى ولكن دون أن يدخل على ذلك تعديلا يذكر 92 . وهذه المحاولة تبدو لنا وكأنها مثقلة بالوهن بعيدة عن الإتقان ، غير أنها كانت بالنسبة للمغرب في القرن التاسع ، كما يشهد ليفى بروفنسال ، النموذج الوحيد من نوعه 93 بحيث لم تكن في متناول الفهم حتى بالنسبة لمعاصريه 94 .
تاريخ الأدب الجغرافي العربي — صفحة 771
مساهمون: اغناطيوس يوليانوفتش كراتشكوفسكي
ص٧٧١