تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الأدب الجغرافي العربي — صفحة 770

مساهمون:

ص٧٧٠
ويمكن أن نشير في هذا العصر أيضا إلى رحالتين من المغرب زارا الأقطار الأوروبية وخاصة أسبانيا ، ولو أن أحدهما لم يحفل كثيرا بتسجيل انطباعاته المباشرة عن زيارته لتلك البلاد . وهذا الأخير هو أبو القاسم ابن أحمد بن علي الزيّانى أكبر مؤرخي المغرب قاطبة لذلك العهد 85 والذي امتد عمره الطويل حتى بلغ مائة عام طوت معها الربع الأول من القرن التاسع عشر ( 1147 ه - 1249 ه - 1734 - 1833 ) 86 . وأصله من فاس وهو ينحدر من أسرة بربرية ؛ وعلى الرغم من أنه كان من كبار موظفى الدولة ودبلوماسييها إلا أنه لم يحاول إخفاء أصله البربرى بل على العكس من ذلك عمل أحيانا على إبرازه وذلك على نقيض الغالبية من مواطنيه ممن تشربوا الثقافة العربية أو بلغوا مناصب عليا - - في الدولة . وهو على وجه العموم يكشف عن شخصية ذات أصالة في ذلك العصر الملىء بالأحداث فهو يتمتع بقدر من الاستقلال والوضوح ، سواء من حيث العقيدة أو من حيث آرائه الشخصية حول موضوعات شائكة مثل موضوع الأولياء ، ولهذا السبب لم يتمتع كثيرا بعطف العلماء المعاصرين له والذين انتموا إلى مجموعة أخرى من الناس لا يلتزم هو لها بأدنى نوع من الولاء ؛ وكأنما لفه الصمت العميق فلم يرتفع له ذكر في الوسط الذي عاش فيه ببلاده 87 . سافر الزيانى مرات عديدة ، وبدأ أسفاره في سن مبكرة فقد أخذه والده معه إلى الحج في عام 1169 ه - 1755 وكان الأب قد أزمع مغادرة المغرب إلى غير رجعة ليستقر بالحجاز ولكن غرق سفينتهم قرب ينبع حرمته من الأمتعة التي كان يود استعمالها في الإقامة بموطنه الجديد ، لهذا فقد اضطر إلى العودة إلى بلاده . غير أن نشوب الحرب بين إنجلترا وفرنسا قد حال دون تمكنه من سلوك طريق البر المعهود إلى شمال أفريقيا لذا فقد ركب السفينة من الإسكندرية إلى إيطاليا ، وهناك بميناء ليفورنو
Livorno
اضطرته نفس ظروف الحرب إلى البقاء مدة أربعة أشهر ، ثم أخذ يسير ببطء على سواحل فرنسا وأسبانيا وعند برشلونة فقط استطاع أن يستقل سفينة إلى جبل طارق ومن هناك بلغ تطوان في عام 1758 ؛ ولا شك أن مسيره البطىء على سواحل أوروبا الجنوبية قد مكنه من التعرف على بلاد الإفرنج بصورة أفضل مما أتيح لعدد كبير من الرحالة . أما رحلته الثانية فقد قام بها بعد ذلك بعهد طويل إذ كان عضوا في سفارة ذهبت إلى استنبول في عام 1200 ه - 1786 ، وسار في طريقه من موغادور ( الصويرة ) إلى مالقة ثم بطريق البحر مارا على تونس حتى بلغ القسطنطينية وفيها مكث مائة يوم وخلف لنا وصفا مفصلا لعاصمة الدولة العثمانية وطريق عودته إلى طنجة . وبعد ثمانية أعوام من هذا ، وبدافع شخصي فيما يبدو ، زار استنبول مرة ثانية في عام 1208 ه - 1793 مارا في طريقه على تونس أيضا ؛ وفي تركيا انضم إلى قافلة الحاج التي عبرت سوريا ، ثم نراه بالقاهرة ولكنه سافر مرة أخرى إلى سوريا وآسيا الصغرى حيث ركب السفينة من أزمير إلى تونس ومنها إلى موطنه . غير أن هذه الرحلات ، مضافا إليها عمله المجهد في الجهازين الحكومي والكتابي والذي لم يكن له حباما ، لم تحل دون اهتمام الزيانى بالمسائل العلمية فتمكن من وضع ما يقرب من خمسة عشر مصنفا بعضها