وتلميذه المؤرخ الشهير الجيرتى قد بين فضله الكبير في إحياء التراث التعليمي بالأزهر ، بل إن أحد المستعربين الإنجليز يرى فيه « أعظم علماء عصره لا في مصر وحدها بل وفي العالم الإسلامي قاطبة 111 » .
ولا يزال شرحه الكبير « لإحياء علوم الدين » 112 للغزالي متمتعا بالرواج في الأقطار الإسلامية حتى هذه اللحظة ، كما وأن أشعاره تكشف عن مهارة كبيرة ، وقد تشبه فيها بمجنون ليلى الذي بدأ به اتجاه جديد في تطور الشعر الرومانسى عند العرب .
ورواية الجيرتى التي يقول فيها إن الزبيدي قد صنف بعض « رحلات » يصف فيها أسفاره بمصر وأنها ربما شغلت مجلدا بأجمعه تكتسب أهمية كبيرة بالنسبة لنا ، ولكنها في أغلب الظن قد فقدت . ويمثل أحد الآثار الأساسية في حياته معجمه الكبير الذي أمضى في تأليفه أربعة عشر عاما وأكمله في سنة 1181 ه - 1767 - 1768 113 أو في سنة 1188 ه - 1774 114 ، وهو « تاج العروس من ( شرح ) جواهر القاموس » الذي يمثل في جوهره شرحا لمعجم الفيروزآبادي للقرن الرابع عشر ؛ ولعل فكرة وضع المعجم قد وافته وهو ما زال بزبيد إذ من المعلوم جيدا أن الفيروزآبادي قد عاش بعض الوقت بها .
وأهمية هذا المعجم من وجهة نظر موضوعنا ينصب في أنه يحوى قدرا من الأسماء الجغرافية ولو أن ذلك جاء بصورة أقل بالطبع مما هو عليه الحال مع المعاجم الجغرافية الخالصة مما مر بنا الكلام عليه . وفي معرض تعداده لمصادره يذكر الزبيدي بعض المصادر الجغرافية ، وهي رغم قلتها إلا أنها ذات أهمية بالنسبة لنا لأنها تبين أي المراجع بالذات في ذلك الميدان قد وجد في متناول أيدي الأوساط العلمية قرب نهاية القرن الثامن عشر . ومن بين المعاجم الجغرافية يذكر الزبيدي اثنين فقط هما ياقوت والبكري 115 ، ولا يخلو من مغزى في هذا الصدد أنه لم يوجد بين يديه من مصنف ياقوت سوى ثلاثة أجزاء فقط هي الأول والثاني والعاشر . أما بقية مراجعه الجغرافية فترجع إلى عهود متأخرة ودونت بمصر بصورة خاصة ، وجميعها نماذج من الجغرافيا « الإقليمية »
( regional )
مثل « الإنس الجليل » لمجير الدين 116 ، - - وابن مماتي ، وابن الجيعان ، وبالطبع « الخطط » للمقريزي 117 ؛ وهي كلها قد مرت علينا في حينها . ويتضح من هذه القائمة أن المؤلفين القدامى قد طويت عليهم ذيول النسيان ، كما أن المحدثين لم يكونوا معروفين بالقدر الذي يبدو طبيعيا بالنسبة لمصر أو بالنسبة لما وصل إلى أيدينا . وعلى الرغم من هذا فإنه تقابلنا في المعجم معطيات تمثل قيمة لا شك فيها ، لا فيما يتعلق بتصحيحها لتسمية جغرافية ما وردت في الشعر الجاهلي أو بتبيان اشتقاقها فحسب بل بالنسبة للعصور المتأخرة كذلك . ولنقتصر في هذا الصدد بذكر مثال واحد ، فهو يسوق تحت لفظ « قسط » أسماء خمسة مواضع جغرافية 118 وهي « قسطانة » ( بإيران ) و « قسنطانة » ( بالأندلس ) و « قسطون » ( قرب حلب ) و « قسنطينة » ( بإفريقيا ) و « قسطنطينية » ( بيزنطة - استنبول ) ؛ وعن هذه الأخيرة يستفيض في كلام طويل يمكن كما بين مقال تيشنر
Taeschner
119 أن يحتل مكانه بين الروايات الإسلامية الأخرى في وصف هذه المدينة . من كل هذا يتبين لنا أنه حتى