تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الأدب الجغرافي العربي — صفحة 769

مساهمون:

ص٧٦٩
زيارة عدد من المدن لا في أفريقيا الشمالية وحدها فحسب كالجزائر وفاس بل إنه زار عددا من المراكز العربية الكبرى كالقاهرة والقدس وذلك في خلال رحلته إلى الحج . وهو قد حج مرتين على الأقل ، وذلك في عامي 1204 ه - 1790 و 1226 ه - 1811 واستطاع في أثناء حجته الثانية أن يتعرف بطريق مباشر على حركة الوهابيين ؛ وقد توفى عام 1238 - 1823 . والتفاصيل الوافية المعروفة لنا عن حياته يرجع الفضل فيها إلى ترجمته لسيرة حياته التي دونها بعد عام 1818 81 . وعلى الرغم من أنها صيغت بالأسلوب الذي عرف به الدراويش جيدا وهو أسلوب « التحدث بنعمة الخالق جل وعلا » ( « فتح الاله ومنته في التحدث بفضل ربى ونعمته » ) ، فجاءت لذلك حافلة بالعواطف الوجدانية وبالتحدث عن نفسه ، أقول على الرغم من كل ذلك فإنها تقدم لوحة تذخر بالحياة لمتطلبات ذلك الوسط الذي نشأ فيه أبو الرأس . وهي تنقسم إلى خمسة فصول عالج فيها الكلام بالتوالي عن نشأته وأساتذته ورحلاته أو عن بعض المسائل الدينية التي شغل بحلها ، وأخيرا أورد في آخر ذلك ثبتا لمؤلفاته . ويكفى لإعطاء فكرة عن اتجاهات المؤلف وميوله الرئيسية أن نذكر أن الفصل المتعلق بالمسائل الدينية يشغل وحده خمسي الكتاب بأجمعه ، أما الفصل المكرس لرحلاته والذي كان من المفروض أن يثير اهتمامنا قبل غيره فإنه - - ضئيل للغاية ولا يتجاوز الصفحتين أو الثلاث . وينطبق هذا القول نفسه على محتويات ذلك الفصل إذ لم يرد فيه أي ذكر لبلاد زارها أو عادات رآها بل يدور الكلام فيه حول العلماء والمحادثات التي أجراها معهم ، وذلك في نفس الأسلوب الذي غلب على الفصل الذي أفرده للمسائل الدينية . ومن الضروب المحببة إليه في التأليف هي أن يضع شروحا تاريخية جغرافية لقصائده ، وله شرح من هذا النوع لقصيدته في الاستيلاء على وهران عام 1205 ه - 1206 ه - 1791 ، ولقد أخذ المؤلف نفسه طرفا في ذلك الحادث التاريخي . ويحمل هذا الشرح في إحدى النسخ عنوان « عجائب الأسفار ولطائف الأخبار » ، والعنوان يوحى بدوره بأن الموضوع يتضمن مقدارا وافرا من المادة الجغرافية ، ولكن هذا لا يتفق مع الواقع لأن أبا الرأس في هذه النسخة وفي عدد كبير غيرها من النسخ أبعد ما يكون عن جوهر موضوعه إذ ينسى نفسه تماما ويضرب في متاهة من الاستطرادات الجانبية التي لا يربطها في معظم الأحوال أي رابط بجوهر موضوعه ، بل إنه يعمد إلى المفاخرة والزهو بإظهار مدى معرفته حينا ومهارته الأدبية حينا آخر . فهو مثلا يستطرد في الكلام عن بونابرت وعن السامريين وعن لندن والفلاندرز 82 دون أن يهتم كثيرا لجوهر القصة بصورة مباشرة . أما من حيث الموضوع فإن قصائده تمس في كثير من الأحيان تاريخ إفريقيا الشمالية وأسبانيا وجغرافيتهما ، من ذلك وصفه لجزيرة جربه ، أما شروحه ففقيرة بوجه عام . وبطبيعة الحال فإنه يجب ألا نستنتج من هذا أنه يفتقر بصورة قاطعة إلى المعلومات ذات القيمة ، ومما يؤكد صحة ما ذهبنا إليه دراسة كوديرا
Codera
عن الأندلس 83 ودراسة ماسينيون
Massignon
عن مراكش 84 . ومهما يكن من شئ فيجب الاعتراف بأنه على الرغم من كثرة مؤلفات أبى راس محمد فإنه بالنسبة لعصره ينتمى إلى المجموعة الوسط من المؤلفين .