دمياط ، كما يصف فيها أيضا انطباعاته عن القاهرة . ولكونه شاعرا معروفا له عدد من الأشعار وكان من أتباع الأسلوب المتكلف فقد جهد في رسالته هذه أن يبين مهارته في السجع وأن ينثر في خلالها قطوفا متنوعة من أشعاره الخاصة حتى بدت الرسالة في بعض المواضع وكأنها مصنف أدبى يعكس مشاعره وعواطفه أثناء الرحلة لا وصفا للرحلة نفسها . غير أنه من الممكن بلا أدنى جهد استنباط التفاصيل المتعلقة بالظروف الواقعية والأوضاع السائدة ؛ ومادته الجغرافية في هذا الصدد جديرة بأن تجد من العناية والاهتمام نفس القدر الذي ظفرت به محاولته الأدبية .
وقد حفظ لنا القرن الثامن عشر أثرا من نفس ذلك الوسط يقف دليلا على أن الاهتمام بروسيا قد ظل يتردد صداه حتى بعد رحلة مكاريوس الأنطاكي في القرن السابع عشر . ففي مكتبة « ديوان الهند »
India Office
بلندن مخطوطة تضم مادة عن روسيا وضعها فيما يغلب على الظن أحد العرب الأورثوذكس من أهل سوريا لعله من رجال الدين وذلك في عام 1758 ، أي في خلال حكم يليزافيتا ( اليصابات ) بتروفنا 61
lelizavcta Petrovna
، وهذه النسخة التي تتكون من تسعة وثمانين ورقة قد تم تدوينها في عام 1799 . ولا يوجد بالمخطوطة أي أثر سواء لاسم المؤلف أو لعنوان الكتاب ولكن ترد في داخله الألفاظ الآتية : « ما قد احتوى عليه هذا الكتاب من أخبار المسكوف » . وبعد « مقدمة » ليست بالطويلة يعالج فيها الكلام على أوروبا عامة يفرد المؤلف خمسة عشر فصلا ( « رأسا » ) للكلام على روسيا ؛ ومن هذه الفصول ستة خالصة للجغرافيا . ويلي هذا تحليل ووصف لسمة الروس وأخلاقهم وعاداتهم ، ينتقل بعده للكلام على الحكومة وعلى النظامين المدني والعسكري وعلى الدين ، ثم يتكلم بعد ذلك عن الأباطرة والبطاركة ويسوق بعض المعلومات عن المدارس بروسيا . وهذه الرسالة تمثل أهمية خاصة ولو من ناحية الكشف عن المصادر التي استقت مادتها منها . وقد أولاها بعض الاهتمام وذلك في بداية نشاطه العلمي ف . ر . روزن الذي وجدت بين أوراقه بعض مقتطفات من هذه المخطوطة 62 ؛ وحتى يحين الوقت لإخضاعها لفحص دقيق فإنه من العسير إصدار أي حكم على هذا الأثر الفريد في نوعه والذي يرتفع في أغلب الظن إلى مصدر كتب أصلا بالإغريقية .
وينافس المغرب سوريا من حيث الكم فيما يتعلق بالمصنفات المتصلة بالجغرافيا ؛ وهنا أيضا نجد أن الدافع الأول كان هو الرحلة إلى الأماكن المقدسة ، أي إلى الحج . ولم بخرج وصف الرحلة عن الإطار القديم ، وقد تم تدوينه في الغالب على هيئة يوميات ؛ أما المؤلفون أنفسهم فإن أكثريتهم كانت تنتمى إلى الوسط الصوفي من بين العلماء المحليين .
ومن وسط هؤلاء الأخيرين خرج أبو العباس أحمد بن محمد ناصر الدرعى المتوفى على أغلب الظن بتمجروت في عام 1129 ه - 1717 ، وبها ولد في عام 1057 ه - 1647 63 . وكان أبوه شيخا لإحدى الزوايا وترك أثرا في الأدب ؛ وخلفه الابن على تلك الزاوية ، وقد ظهر منه في خلال رحلاته