تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الأدب الجغرافي العربي — صفحة 762

مساهمون:

ص٧٦٢
ويقابل هذا من الجانب الآخر أن التفاصيل التي أوردها في مجالي التاريخ والثقافة لا تقل أهمية عن أسلوب الرحلة الذي يتسم بالوضوح والإبانة . والقطعة التي تبقت من وصف الرحلة تعطينا الحق الكامل في الافتراض بأن وصف رحلة الحج الذي دونه يراع السويدي يرتفع في مجموعه على المستوى العام ؛ ومما يؤسف له أن هذا الوصف معروف حتى الآن في عدد محدود من المخطوطات التي من العسير الوصول إليها وبهذا فإنه لم يجتذب الأنظار بعد بصورة جدية . أما خط سير الرحلة فإنه لم يتجه إلى بلاد العرب رأسا فقد أخذ العلامة في البداية طريق الشمال إذ خرج من بغداد إلى الموصل ومنها إلى حلب فدمشق 51 ، وأغلب الظن أن طريق الحاج المألوف لم يكن مأمونا تماما أو أن المؤلف أراد فقط أن يزور الموصل التي أمضى فيها سنى دراسته ؛ وفيما عدا هذا فإن بقية تفاصيل رحلته غير معروفة لنا . والصورة العامة للمادة الجغرافية التي نلتقى بها في البلاد العربية الواقعة إلى الشرق من سوريا في هذا القرن فقيرة وشاحبة للغاية ، بل إن سوريا نفسها تقتصر على اتجاه واحد فقط في مجال الجغرافيا ولكنه تميز بالحيوية والنشاط ويمثل كلا متماسكا على الرغم من تعدد العناصر المكونة له وتلونها . وأعنى بهذا وصف الرحلة ، خاصة رحلة الحج التي خرجت هذه المرة من وسط النصارى العرب . ولقد حدث أن تعرفنا على عدد ملحوظ منها في الفصل السابق على هذا ، غير أننا نلتقى في الفترة التي نعالج الكلام عليها بشئ أشبه ما يكون بازدهار لهذا النمط . وخير دليل على هذا أنها بدأت تظهر في أكثر الدوائر اختلافا ، بل إنها استهدفت الارتفاع بالمستوى الفنى نفسه مرسلة في هذا أول خيط لفجر النهضة الأدبية الحديثة في الوسط المسيحي . وقد اتجهت هذه الرحلات كما هو الحال من قبل إلى فلسطين وسوريا ورومه قبل غيرها ؛ وترجع علاقة بعض رجال الإكليروس الشرقيين ممن كانوا يتكلمون العربية بمدينة رومه إلى القرن السادس عشر . وإلى هذه العلاقة يرجع السبب في الأحداث التي تمت في غضون القرن السابق لهذا مثل رحلة إلياس الموصلي إلى أميريكا . ويعد خضر الكلدانى الذي جاء بعده بمدة قرن من الزمان شبيها له إلى حد ما ؛ وهو نسطورى الأصل ولد بمدينة الموصل في عام 1679 52 وتلقى دراسة دينية جيدة ثم أنشأ مدرسة بمسقط رأسه لم تلبث أن تمتعت بسمعة طيبة . وقد جنح به ميل ظاهر منذ سن مبكرة إلى العلم وإلى قرض الأشعار الدينية ، كما ندين له أيضا بمعجم كبير للغات الأرامية والعربية والتركية ، وله كذلك خطب وأغان وتسابيح باللغتين السريانية والعربية 53 . وبعد أن تجاوز سن - - الثلاثين اعتنق خضر الكلدانى تحت تأثير الرهبان الكبوشيين
( Capuccines )
المحليين العقيدة الكاثوليكية وتعرض من جراء ذلك لاضطهاد أهل عقيدته السابقة حتى اضطر آخر الأمر إلى الهرب من موطنه في أغسطس من عام 1724 . وقد اتجه في البداية إلى نصيبين ثم غادرها إلى ماردين ومنها إلى الرها ، وفي الرابع والعشرين من شهر فبراير عام 1725 بلغ حلب ثم أبحر من ميناء الإسكندرونة في السادس من شهر مايو . وقريبا من تونس تعرضت سفينتهم لعاصفة