تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الأدب الجغرافي العربي — صفحة 760

مساهمون:

ص٧٦٠
وبالطبع لم تكن الدوافع إلى الترحال بين أبناء جيله هي نفس تلك الدوافع السامية التي كانت ور رحلات النابلسي ، فأحدهم وهو مرتضى بك بن مصطفى بن حسن الكردي قد غادر موطنه دمشق في عام 1127 ه - 1715 إلى القاهرة ، هربا من دائنيه ، وهناك توفى بعد عام 1133 ه - 1721 31 ، وكان الميل إلى الأدب قويا عنده فصاغ وصف رحلته سجعا ؛ وهي تحفل بعدد هائل من الأشعار وباستطرادات مسهبة تطغى أحيانا على وصف الرحلة نفسه . ومصنفه « تهذيب الأطوار في عجائب الأمصار » 32 يقدم لنا وصفا للرملة وغزة والقاهرة ومصر بأجمعها ، وهو يعالج فيه شتى الموضوعات فيتحدث عن الأهرامات والنيل والجامع الأزهر وعلمائه بل وحتى عن الاضطرابات الشعبية بالقاهرة . وقد زار مصر العليا أيضا فمر على منفلوط ، غير أن عواطفه كانت موجهة دائما نحو دمشق التي أفرد لها عددا من قصائد المدح . وقد ظل الحج بطبيعة الحال هدفا لرحلات عدد كبير من أهل دمشق ، ففي نحو عام 1120 ه - 1708 أدى فريضة الحج إلى مكة مرتضى بن علي علوان 33 . ونعلم من وصفه لرحلته الذي وصلنا بخط يده 34 أنه أدى فريضة الحج لأول مرة قبل ثلاثين عاما من ذلك أي في سنة 1088 ه - 1677 ؛ وفي المرة الثانية صحب قافلة الحاج الشامي فأخذ طريق الحج المعهود واصفا لنا بدقة كاملة منازله المختلفة - - . وقد استغرقت منه هذه الرحلة عشرة أشهر وكرس لهذا الموضوع إلى جانب وصف الرحلة قصيدتين أيضا . والرحالة الذين خرجوا من سوريا معروفون لنا نسبيا أكثر من غيرهم . غير أن هذا لا يعنى أن بلادا عربية أخرى لم تسهم بنصيبها في هذا إذ أن بعضها ترك أثرا محسوسا في هذا الميدان . وأحد أهل مكة وهو العباس بن علي بن نور الدين المكي الموسوي الحسيني 35 غادر مسقط رأسه بعد عام 1130 ه - 1718 وظل يتجول لمدة اثنى عشر عاما 36 محتفظا في خلال ذلك بمذكرات منتظمة 37 . وفي عام 1148 ه - 1736 عندما كان بمدينة المخادون أخبار رحلته في كتاب بعنوان « نزهة الجليس وأمنية الأديب الأنيس » ، وهو واحد من المصنفات القليلة لذلك العهد التي وجدت في طبعة قاهرية 38 . وقد رفع المؤلف كتابه إلى شخص كان يقيم باليمن اسمه أحمد بن يحيى الخازندار ، ويبدو أنه كان من بين أولئك الذين شجعوه على القيام برحلاته 39 . ويفتقر وصف الرحلة افتقارا تاما إلى التنظيم والترتيب هذا بالرغم من أن مادته موزعة وفقا للنواحى الجغرافية والمدن التي زارها المؤلف ؛ وهو يبدأ بمكة فيتحدث عن حدودها وعيونها 40 ، ويليها المدينة التي يفرد لها وصفا مبالغا فيه 41 ، وتليها نجد 42 ؛ ويلي هذا دون اتباع لنظام معين الكلام على الكوفة وبقية مدن العراق ( بغداد وسامرا ) ثم مصر فخراسان فالهند فاليمن . وهو يترجم خلال ذلك كله لعدد كبير من الشخصيات ( خاصة بين أهل مكة ) ؛ ويغلب على المصنف كله الطابع المعروف لنا جيدا للرحلة العلمية التي تشبه من ناحية المختارات الأدبية ومن ناحية أخرى معاجم السير ؛ ومن الملاحظ أن المادة الأدبية والسّير تزحم فيه المعطيات الجغرافية بصورة واضحة ، غير أن هذه الأخيرة لا تخلو بدورها من بعض الطرافة والقيمة إذا ما عرضت لفحص دقيق خاصة من وجهة النظر التاريخية الحضارية .