ويبدو أن النابلسي نفسه قد صنف رحلاته الكبرى بطريقة منظمة فأطلق عليها على التوالي اسم الصغرى فالوسطى فالكبرى . أما الأولى فقد أفرد لها مصنفه « حلة الذهب الإبريز في رحلة بعلبك والبقاع العزيز » التي وصف فيها في ستين صفحة رحلته التي بدأها في الثلاثين من أغسطس عام 1100 ه - 1688 وزار فيها المواضع التي يتبرك بها المسلمون بلبنان خاصة مقابر الأنبياء والأولياء المختلفين 26 . أما الرحلة « الوسطى » فقد بدأها في الثامن والعشرين من شهر مارس عام 1101 ه - 1690 وكانت وجهتها بيت المقدس ، وقد أخذ فيها « طريق الماء »
Via maris
المشهور في العصور الوسطى مارا بطبرية ونابلس .
ولم تطل إقامته بالقدس إلى أكثر من سبعة عشر يوما ، وزار الخليل والمواضع القريبة ثم أخذ طريق الرجعة في التاسع والعشرين من أبريل مارا بنفس الطريق الذي جاء به حتى بلغ دمشق في العاشر من مايو ؛ وقد جعل عنوان هذه الرحلة « الحضرة الأنسية في الرحلة القدسية » 27 . أما تلك التي حازت الرواج أكثر فقد كانت رحلته « الكبرى » التي وصفها تحت عنوان « الحقيقة والمجاز في رحلة الشام ومصر والحجاز » 28 والتي بدأها في الثاني من سبتمبر عام 1105 ه - 1693 واستغرقت ثلاثمائة وثمانية وثلاثين يوما .
ووفقا للعنوان فإن وصف الرحلة ينقسم إلى ثلاثة أقسام تعالج الكلام على سوريا ومصر والحجاز . غادر عبد الغنى النابلسي دمشق متجها نحو الشمال فزار حمص وحماة واللاذقية وطرابلس ، ثم اجتاز جبال لبنان فزار بيروت ودير القمر وصيدة وصور وعكا والناصرة ونابلس والقدس . وكما حدث في المرة الأولى فقد زار أيضا المناطق المحيطة بالقدس ثم أخذ الطريق إلى الرملة ومنها إلى يافا وعسقلان ثم غزة ومنها إلى خان يونس حتى بلغ العريش ؛ ومما يقف دليلا على سعة اطلاعه إشارته بصدد هذه الرحلة إلى رحلة محمد كبريت الحافلة بالأشعار . ودخل النابلسي مصر عن طريق الصالحية وبلبيس حتى بلغ القاهرة وأقام بها اليوم الثاني عشر بعد المائة من بداية رحلته . أما مشاهد مصر المختلفة فإنه يعرضها لنا بالأسلوب المعهود عنه معتمدا في ذلك من جهة على ملاحظاته الشخصية ومن جهة أخرى على مؤلفات المقريزي والسيوطي وبصورة خاصة على مصنفات صوفي من القرن السادس عشر هو الشعراني - - . وبعد هذا أخذ طريق الحاج المصري فمر على ينبع وبلغ المدينة في اليوم الثامن والثلاثين بعد المائتين من ابتداء الرحلة ؛ ثم دخل مكة في اليوم الحادي والثلاثين بعد الثلاثمائة من ذلك ، ورجع إلى دمشق بطريق الحاج السورى .
وفيما عدا هذه الرحلات الثلاث التي يمكن وصفها بأنها رحلاته « الدينية »
( Canonized )
فإن للنابلسى مصنفات جغرافية أخرى غير معروفة كثيرا ، أحدها تم تأليفه في عام 1112 ه - 1700 ويصف فيه رحلته إلى طرابلس وهو بعنوان « التحفة النابلسية في الرحلة الطرابلسية 29 » ؛ أما ذوقه الشعرى فينعكس في مدحه لدمشق الذي صاغه على هيئة موشح 30 على نمط « الفضائل » المعروف لنا جيدا .
والعدد الكبير من المصنفات الذي وضع في هذا الباب يفسر لنا لماذا نفذ الاهتمام بالمسائل الجغرافية إلى النابلسي من خلال دراساته الطويلة للمادة التصوفية ؛ ولا شك أن هذا الضرب من المصنفات كان على الدوام محل الإقبال والطلب حتى حازت أوصاف رحلاته رواجا كبيرا بسوريا في القرن الثامن عشر .