تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تاريخ الأدب الجغرافي العربي — صفحة 761

مساهمون:

ص٧٦١
هذا وقد حفظت لنا العراق عن هذا العهد مصنفا محليا ذا قيمة كبرى ولو أن معرفتنا به تقتصر حتى هذه اللحظة على جانب فقط منه ؛ وهو من تأليف عالم ينحدر من دوحة عراقية ذات ماض هي أسرة السويدي ، واحدة من تلك الأسر العربية الفاضلة التي حفظت لنا تقاليد العلوم الإسلامية القديمة في هذه العصور المظلمة بالنسبة للأدب العربي ومهدت الطريق - - لنهضة ذلك الأدب في القرن التاسع عشر . ولد عبد اللّه حسين السويدي ببغداد في عام 1104 ه - 1692 ونال حظه من التعليم بها وبالموصل عاصمة العراق الثانية ، ثم أمضى أعواما طويلة من حياته يعمل بالتدريس بمسقط رأسه إلى حين وفاته بها في عام 1174 ه - 1760 43 . وقد انعكست ميوله الأدبية - - في عدد من القصائد والمقامات التي شغل بتأليفها بشغف شديد في أوقات فراغه من الدراسات الدينية . ويبدو أنه أدى فريضة الحج مرتين ، في عام 1148 ه - 1150 ه - 1735 - 1737 وفي عام 1157 ه - 1744 ؛ ويرتبط بحجته الثانية بوجه عام وصفه لرحلته بعنوان « النفحة المسكية في الرحلة المكية » الذي ترجع معرفتنا به إلى قطعة قائمة بذاتها في مصنفه « كتاب الحجج القطعية لاتفاق الفرق الإسلامية » . وهو كتاب لقى رواجا وذيوعا واسعين وبستبين هذا لا من مخطوطاته العديدة 44 فحسب بل ومن أنه ظهر أيضا في طبعة قاهرية لعام 1323 ه - 1906 ثم من ظهوره في ترجمة تركية بعد ثلاثة أعوام من ذلك 45 . والكتاب يقف في الطليعة بوصفه أثرا يقدم لنا فكرة دقيقة عن تلك المحاولة التي قام بها نادر شاه ( 1148 ه - 1160 ه - 1736 - 1747 ) للتوفيق بين السنة والشيعة ؛ وقد أشار غولدزهر في حينه إلى غرابة هذه الواقعة وإلى الشخصيات التي سجلت حوادثها 46 ؛ هذا كما وقد حلل ا . ا . شمت
A . E . Shmidt
بالتفصيل رواية السويدي عنها ونقل عنه قطعا كبيرة 47 . لقد عنت لنادر شاه فكرة إقامة مناظرة كبرى بين علماء الشيعة بالنجف وكربلاء وعلماء السنة من أهل أفغانستان وما وراء النهر ؛ وقد اضطر مؤلفنا تحت ضغط التهديد إلى أن يشارك فيها بأمر من والى بغداد المشهور أحمد باشا ( توفى عام 1160 ه - 1747 ) 48 كممثل لعلماء السنة بالدولة العثمانية . وجرت هذه المناظرة قرب النجف بتاريخ اليوم الثاني عشر من ديسمبر من عام 1156 ه - 1743 49 ؛ وهي لم تترك أي أثر يذكر سواء في ميدان التاريخ أو السياسة ولكن يرجع إليها الفضل في ظهور مصنف طريف للغاية يحتوى على وصف ممتع لجميع هذه الأحداث ويقدم صورة تفيض بالحيوية للمناظرة نفسها . وقد قرر المؤلف أن يقوم بحج بيت اللّه 50 شكرا له لخروجه سالما من هذه المحنة ، وفي وصفه لحجته ضمن قصة تلك المناظرة . وفي مقدمته لذلك الذيل يصف المؤلف سالما الحوادث المعاصرة له والقريبة منه المتعلقة بتاريخ إيران والدولة العثمانية وظهور نادر شاه وحصاره لبغداد مرتين وانتخابه شاها لإيران بمرج مغان في عام 1148 ه - 1736 ثم محاولته الدخول في علاقات مع الدولة العثمانية لنعترف بالمذهب الشيعي كمذهب رسمي للإسلام . وتحتل المكانة الرئيسية قصته التي تفيض بالحيوية والتي يصف فيها ظروف مقابلته - - لنادر شاه الذي ترك في نفسه أثرا طيبا للغاية منذ الوهلة الأولى ؛ وبطبيعة الحال فإن المادة الجغرافية عنده شحيحة للغاية ، هذا إذا استثنينا وصفه الذي يفيض بالحيوية لرحلته التي خرج فيها من بغداد وبقائه بالنجف لمدة يومين .