زار القدس والخليل ، وفي عام 1105 ه - 1693 قام برحلته الكبرى إلى مصر والحجاز التي امتدت مع بعض التوقف إلى ثلاثة أعوام حتى عام 1108 ه - 1696 ؛ وفي عام 1112 ه - 1700 زار طرابلس .
وأخيرا ابتداء من عام 1114 ه - 1702 استقر بموطنه وأمضى الثلث الأخير من حياته بدمشق .
وعلى الرغم من أن أربعة من مصنفات النابلسي الجغرافية التي يصف فيها تجواله معروفة لنا إلا أن شهرته في الأقطار العربية لا تستند عليها ، كما وأن شخصيته كأديب لا تقوم عليها ؛ ذلك أن النابلسي كممثل نموذجى لعصره نال الشهرة قبل كل شئ كدرويش متصوف ومن ثم فقد احتلت المكانة الأولى بالنسبة له تجاربه الروحية الوجدانية التي ترتبط بالمسائل الدينية والاجتماعية التي واجهت أبناء جيله . وهو كثيرا ما دخل في جدال عنيف حول هذه المسائل ونال شيئا فشيئا تقدير الجميع واعترافهم به كحجة في هذا الميدان ، وليس أدل على ذلك من أنه في يوم وفاته خرجت دمشق على بكرة أبيها تشيعه . وللنابلسى مؤلفات كثيرة في التصوف صاغها نثرا وشعرا ؛ وهو يحذو حذو أساتذته من الصوفية في خروجه على النماذج الكلاسيكية في الشعر ، وكثيرا ما لجأ إلى استعمال الموشح . وقد لقيت رواجا كبيرا قصيدته « البديعية » في مدح الرسول ، التي جرب فيها مختلف بحور الشعر وأوزانه ؛ ولا يزال متمتعا بالشهرة إلى يومنا هذا شرحه لأشعار الشاعر الصوفي المصري للقرن الثالث عشر عمر بن الفارض ؛ كما لا يخلو من مغزى أن مصنفه في تفسير الأحلام الذي طبع مرات عديدة ، هو أكثر المصنفات في هذا الباب .
انتشارا في الأقطار العربية . وأخيرا نذكر أنه يرتبط باسمه عدد من التنبؤات عن مصير الدولة العثمانية ترجع إلى منتصف القرن الثامن عشر . وأمام هذه الاتجاهات العديدة في نشاطه الفكري فليس عسيرا أن نتصور ما ستكون عليه أوصاف رحلاته بالنسبة للجغرافيا ؛ ومن حسن الحظ فإن النتيجة العامة جاءت أفضل بكثير مما كان يتوقع من كاتب في مثل اتجاهه . وهو بالطبع أبعد بكثير من أن يقدم لنا وصفا للأوضاع المعاصرة للبلاد التي زارها ، فقد تركز اهتمامه بوجه خاص في التاريخ الأسطورى للمدن المقدسة والذي يستقيه من مؤلفين كالهروى والعليمى . والصورة التي ترتسم لشخصه في مصنفاته بما يحيط بها من الزهو بالنفس وإظهار التدين
( s anctimoniousness )
ليس من شأنها أن تحبب القارئ فيها ، غير أن أسفاره في مقابل هذا قد شغلت مجالا واسعا بحيث لا يمكن تجريدها كلية من بعض المعطيات الإيجابية بالنسبة للطبوغرافيا التاريخية 24 ، ومن ثم فإنها تحفل بكمية هائلة من المعلومات في مجالي الحضارة والتاريخ - - تستحق معها فحصا دقيقا 25 . ويمكن القول بأن هذه هي الفكرة العامة التي تكونت لدى العلماء الأوروبيين الأوائل الذين شغلوا في منتصف القرن الماضي بدراسة رحلاته مثل كريمر
Kremer
وفليغل
Fiugel
وغلدميستر
Glldemelster
؛ وقد وكد هذه الصورة العامة في الآونة القريبة منا ريتشارد هارتمان
R . Hartmann
عقب فحصه لمادة النابلسي بصدد دراسته للطريق بين دمشق والقاهرة في الفترة التاريخية الممتدة من العصر الروماني إلى القرن التاسع عشر .